يعني: أنّ كلّ متوجِّهٍ إلى الله بالصِّدق والإخلاص فإنّه من المهاجرين إليه، فلا ينبغي أن يتخلَّف عن هذه الهجرة، بل يصحبها سرمدًا حتّى يلحَقَ بالله.
فما هي إلّا ساعةٌ ثمّ تنقضيويَحمَدُ غِبَّ السَّيرِ مَن هو سائرُ١
ولله على كلِّ قلبٍ هجرتان٢، وهما فرضٌ لازمٌ له على الأنفاس:
هجرةٌ إلى إلهه بالتّوحيد والإخلاص، والإنابة والحبِّ، والخوف والرّجاء، والعبوديّة.
وهجرةٌ إلى رسوله بالتّحكيم له، والتّسليم والتّفويض والانقياد لحكمه، وتلقِّي أحكام الظّاهر والباطن من مشكاته. فيكون تقيُّده٣ به أعظمَ من تقيُّدِ الرَّكْب بالدّليل الماهر في ظُلَم اللّيل ومتاهاتِ الطّريق.
فما لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان فلْيَحْثُ على رأسه الرّماد، ولْيراجعِ الإيمانَ من أصله، فيرجع وراءه يقتبس نورًا، قبلَ أن يُحال بينه وبينه ويُقال له ذلك على الصِّراط من وراء السُّور. والله المستعان.
(١) يبدو أن البيت للمؤلف، ويتصرف في الشطر الثاني حسب السياق والموضوع، فيأتي به على أوجه مختلفة، انظر: «بدائع الفوائد» (٢/ ٦٧٢)، و«الداء والدواء» (ص ٤٥٤)، و«روضة المحبين» (ص ٩)، و«زاد المعاد» (٣/ ٩١)، و«مدارج السالكين» (٣/ ٨، ٣٢٩).
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة العلم.
وهذه المنزلة إن لم تصحب السّالكَ من أوّل قدمٍ يضعه في الطّريق إلى آخر قدمٍ ينتهي إليه فسلوكُه على غير طريقٍ، وهو مقطوعٌ عليه طريقُ الوصول، مسدودٌ عليه سبلُ الهدى والفلاح، مغلَقةٌ عنه أبوابها. وهذا إجماعٌ من الشُّيوخ العارفين، ولم ينهَ عن العلم إلّا قُطَّاع الطّريق منهم، ونُوَّاب إبليس وشُرَطُه.
قال سيِّد الطّائفة وشيخهم الجنيد بن محمّدٍ١﵀: الطُّرق كلُّها مسدودةٌ على الخلق إلّا على من اقتفى أثر الرّسول ﷺ٢.
وقال: من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يُقتَدى به في هذا الأمر، لأنّ علْمنا مقيّدٌ بالكتاب والسُّنّة٣.
وقال: مذهبنا هذا مقيّدٌ بالأصول: الكتاب والسُّنّة٤.
وقال أبو حفصٍ ﵀: من لم يَزِنْ أفعالَه وأحوالَه في كلِّ وقتٍ بالكتاب
(١) «بن محمد» ليست في ش، د.
(٢) «الرسالة القشيرية» (ص ١٥٥). ورواه السلمي في «طبقاته» (ص ١٥٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٥٧).
(٣) «الرسالة القشيرية» (ص ١٥٥). ورواه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٥٥).