ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة العلم.
وهذه المنزلة إن لم تصحب السّالكَ من أوّل قدمٍ يضعه في الطّريق إلى آخر قدمٍ ينتهي إليه فسلوكُه على غير طريقٍ، وهو مقطوعٌ عليه طريقُ الوصول، مسدودٌ عليه سبلُ الهدى والفلاح، مغلَقةٌ عنه أبوابها. وهذا إجماعٌ من الشُّيوخ العارفين، ولم ينهَ عن العلم إلّا قُطَّاع الطّريق منهم، ونُوَّاب إبليس وشُرَطُه.
قال سيِّد الطّائفة وشيخهم الجنيد بن محمّدٍ١﵀: الطُّرق كلُّها مسدودةٌ على الخلق إلّا على من اقتفى أثر الرّسول ﷺ٢.
وقال: من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يُقتَدى به في هذا الأمر، لأنّ علْمنا مقيّدٌ بالكتاب والسُّنّة٣.
وقال: مذهبنا هذا مقيّدٌ بالأصول: الكتاب والسُّنّة٤.
وقال أبو حفصٍ ﵀: من لم يَزِنْ أفعالَه وأحوالَه في كلِّ وقتٍ بالكتاب
(١) «بن محمد» ليست في ش، د.
(٢) «الرسالة القشيرية» (ص ١٥٥). ورواه السلمي في «طبقاته» (ص ١٥٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٥٧).
(٣) «الرسالة القشيرية» (ص ١٥٥). ورواه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٥٥).
والسُّنّة، ولم يتّهم خواطِرَه= فلا يُعدُّ في ديوان الرِّجال١.
وقال أبو سليمان الدّارانيُّ ﵀: ربّما يقع في قلبي النُّكتة من نُكَت القوم أيامًا، فلا أقبلُ منه إلّا بشاهدين عدلين: الكتاب والسُّنّة٢.
وقال سهل بن عبد الله ﵁: كلُّ فعلٍ يفعله العبد بغير اقتداءٍ ــ طاعةً كان أو معصيةً ــ فهو عيشُ النّفس، وكلُّ فعلٍ يفعله العبد بالاقتداء فهو عذابٌ على النّفس٣.
وقال السَّريُّ: التّصوُّف اسمٌ لثلاثةِ معانٍ: لا يطفئ نورُ معرفته نورَ ورعه، ولا يتكلّم بباطنٍ في علمٍ ينقضُه عليه ظاهر الكتاب، ولا تَحمِلُه الكرامات على هتْكِ أستار محارم الله٤.
وقال أبو يزيد ﵀: عمِلتُ في المجاهدة ثلاثين سنةً، فما وجدت شيئًا أشدَّ عليّ من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لبقيتُ، واختلاف
(٤) المصدر نفسه (ص ١١٢). ورواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٠/ ١٩٤). وانظر: «بغية الطلب» (٩/ ٤٢٢٥)، و«وفيات الأعيان» (٢/ ٣٥٨). ورُوي نحوه عن ذي النون في «الرسالة القشيرية» (ص ٦٤٦).