مدارج السالكين

والحال كالمال يُؤتاه البرُّ والفاجر، فإن لم يصحبه نور العلم كان وبالًا على صاحبه.

نفع الحال لا يتعدّى صاحبه، ونفعُ العلم كالغيث يقع على الظِّراب١ والآكام٢ وبطون الأودية ومنابت الشّجر.

دائرة العلم تسَعُ الدُّنيا والآخرة، ودائرة الحال تَضِيق عن غير صاحبه، وربّما ضاقت عنه.

العلم هادٍ، والحال الصّحيح مهتدٍ به. وهو ترِكة الأنبياء وتُراثهم، وأهله عصبتهم وورّاثهم. وهو حياة القلوب، ونور البصائر، وشفاء الصُّدور، ورياض العقول، ولذّة الأرواح، وأنس المستوحشين٣، ودليل المتحيِّرين.

وهو الميزان الذي به تُوزن الأقوال والأعمال والأحوال.

وهو الحاكم المفرِّق بين الشّكِّ واليقين، والغيِّ والرّشاد، والهدى والضّلال.

به يُعرف الله ويُعبد، ويذكر ويُوحَّد، ويُحمد ويمجَّد. وبه اهتدى إليه السّالكون، ومن طريقه وصل إليه الواصلون، ومن بابه دخل عليه القاصدون.

  1. (١) ل: «الضراب»، خطأ. والظِّراب: الجبال الصغار، واحدها ظَرِبٌ.
  2. (٢) ويُضبط «الإكام» جمع أكَمة، وهي الرابية، وتُجمع الإكام على أكم، والأكم على آكام. وقد وردت هذه الألفاظ في حديث الاستسقاء عند البخاري (١٠١٣) ومسلم (٨٩٧) عن أنس بن مالك ﵁. وانظر: «الفتح» (٢/ ٥٠٥)، و«النهاية» (١/ ٥٩).
  3. (٣) ش، د: «المستوحش».
280

به تُعرف الشّرائع والأحكام، ويتميّز الحلال من الحرام، وبه تُوصَل الأرحام، وبه تُعرف مَراضي الحبيب، وبمعرفتها ومتابعتها يُوصل إليه من قريبٍ.

وهو إمامٌ، والعمل مأمومٌ. وقائدٌ، والعمل تابعٌ.

وهو الصّاحب في الغربة، والمحدِّث في الخلوة، والأنيس في الوحشة، والكاشف عن الشُّبهة. والغِنى الذي لا فقْرَ على من ظفِرَ بكنزه، والكَنَف١ الذي لا ضيعةَ على من أَوى إلى حِرْزه.

مذاكرته تسبيحٌ، والبحث عنه جهادٌ، وطلبه قُربةٌ، وبذله صدقةٌ، ومدارسته تَعدِل بالصِّيام والقيام، والحاجة إليه أعظم منها إلى الشّراب والطّعام.

قال الإمام أحمد ﵁: النّاس إلى العلم أحوجُ منهم إلى الطّعام والشّراب، لأنّ الرّجل يحتاج إلى الطّعام والشّراب في اليوم مرّةً أو مرّتين، وحاجته إلى العلم بعددِ أنفاسه٢.

وروِّينا عن الشّافعيِّ ﵁ أنّه قال: طلب العلم أفضل من صلاة النّافلة٣.

  1. (١) ل: «الكهف».
  2. (٢) انظر: «مسائل الإمام أحمد» لحرب (٣٤٣)، و«طبقات الحنابلة» (١/ ٣٩٠)، و«الآداب الشرعية» (٢/ ٤٤)، و«مفتاح دار السعادة» (١/ ١٦٤، ٣٣٢).
  3. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ٩٧)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١١٩)، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (ص ١١٣)، وابن عبد البر في «الانتقاء» (ص ٨٤)، و«جامع بيان العلم» (١/ ١٢٣)، وغيرهم.
281

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي