به تُعرف الشّرائع والأحكام، ويتميّز الحلال من الحرام، وبه تُوصَل الأرحام، وبه تُعرف مَراضي الحبيب، وبمعرفتها ومتابعتها يُوصل إليه من قريبٍ.
وهو إمامٌ، والعمل مأمومٌ. وقائدٌ، والعمل تابعٌ.
وهو الصّاحب في الغربة، والمحدِّث في الخلوة، والأنيس في الوحشة، والكاشف عن الشُّبهة. والغِنى الذي لا فقْرَ على من ظفِرَ بكنزه، والكَنَف١ الذي لا ضيعةَ على من أَوى إلى حِرْزه.
مذاكرته تسبيحٌ، والبحث عنه جهادٌ، وطلبه قُربةٌ، وبذله صدقةٌ، ومدارسته تَعدِل بالصِّيام والقيام، والحاجة إليه أعظم منها إلى الشّراب والطّعام.
قال الإمام أحمد ﵁: النّاس إلى العلم أحوجُ منهم إلى الطّعام والشّراب، لأنّ الرّجل يحتاج إلى الطّعام والشّراب في اليوم مرّةً أو مرّتين، وحاجته إلى العلم بعددِ أنفاسه٢.
وروِّينا عن الشّافعيِّ ﵁ أنّه قال: طلب العلم أفضل من صلاة النّافلة٣.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ٩٧)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١١٩)، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (ص ١١٣)، وابن عبد البر في «الانتقاء» (ص ٨٤)، و«جامع بيان العلم» (١/ ١٢٣)، وغيرهم.
ونصّ على ذلك أبو حنيفة ﵀١.
وقال ابن وهبٍ ﵀: كنت بين يدي مالكٍ ﵁، فوضعتُ ألواحي وقمتُ أصلِّي، فقال: ما الذي قمتَ إليه بأفضلَ ممّا قمتَ عنه. ذكره ابن عبد البرِّ٢ وغيره.
واستشهد الله ﷿ بأهل العلم على أجلِّ مشهودٍ به وهو التّوحيد، وقرنَ شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وفي ضمنِ ذلك تعديلُهم، فإنّه لا يستشهد بمجروحٍ. ومن هاهنا ــ والله أعلم ــ يُؤخذ الحديث المعروف «يَحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدولُه، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وتأويل المبطلين»٣.
وهو حجّة الله في أرضه، ونوره بين عباده، وقائدهم ودليلهم إلى جنّته، ومُدنِيهم من كرامته.
(١) انظر: «الكسب» لمحمد بن الحسن بشرحه للسرخسي (ص ١٠٢، ١٤٨، ١٥٤)، و«حاشية ابن عابدين» (١/ ٤٠، ٦/ ٤٣٢).
(٢) في «جامع بيان العلم» (١/ ١٢٢). وأخرجه أيضًا ابن شاهين في «مذاهب أهل السنة» (٦٤). وذكره في «مفتاح دار السعادة» (١/ ٣٣٤)، وانظر تعليق المحقق عليه.
(٣) أخرجه ابن حبان في «الثقات» (٤/ ١٠)، وابن عدي في «الكامل» (١/ ١١٨)، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (٥٥) وغيرهم من حديث مُعان بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري مرسلًا. قال مهنا: قلتُ لأحمد: كأنه كلام موضوع؟ قال: لا، هو صحيح. وقد جمع المؤلف طرقه في «مفتاح دار السعادة» (١/ ٤٦٣ - ٤٦٧)، وكلها معلولة منكرة لا تصلح لتقويته. وإبراهيم العذري لا يُدرى مَن هو، ولا يُعرف في غير هذا الحديث.