وقال ابن وهبٍ ﵀: كنت بين يدي مالكٍ ﵁، فوضعتُ ألواحي وقمتُ أصلِّي، فقال: ما الذي قمتَ إليه بأفضلَ ممّا قمتَ عنه. ذكره ابن عبد البرِّ٢ وغيره.
واستشهد الله ﷿ بأهل العلم على أجلِّ مشهودٍ به وهو التّوحيد، وقرنَ شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وفي ضمنِ ذلك تعديلُهم، فإنّه لا يستشهد بمجروحٍ. ومن هاهنا ــ والله أعلم ــ يُؤخذ الحديث المعروف «يَحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدولُه، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وتأويل المبطلين»٣.
وهو حجّة الله في أرضه، ونوره بين عباده، وقائدهم ودليلهم إلى جنّته، ومُدنِيهم من كرامته.
(١) انظر: «الكسب» لمحمد بن الحسن بشرحه للسرخسي (ص ١٠٢، ١٤٨، ١٥٤)، و«حاشية ابن عابدين» (١/ ٤٠، ٦/ ٤٣٢).
(٢) في «جامع بيان العلم» (١/ ١٢٢). وأخرجه أيضًا ابن شاهين في «مذاهب أهل السنة» (٦٤). وذكره في «مفتاح دار السعادة» (١/ ٣٣٤)، وانظر تعليق المحقق عليه.
(٣) أخرجه ابن حبان في «الثقات» (٤/ ١٠)، وابن عدي في «الكامل» (١/ ١١٨)، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (٥٥) وغيرهم من حديث مُعان بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري مرسلًا. قال مهنا: قلتُ لأحمد: كأنه كلام موضوع؟ قال: لا، هو صحيح. وقد جمع المؤلف طرقه في «مفتاح دار السعادة» (١/ ٤٦٣ - ٤٦٧)، وكلها معلولة منكرة لا تصلح لتقويته. وإبراهيم العذري لا يُدرى مَن هو، ولا يُعرف في غير هذا الحديث.
ويكفي في شرفه: أنّ فضل أهله على العباد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وأنّ الملائكة تضع لهم أجنحتها، وتُظِلُّهم بها، وأنّ العالم يستغفر له من في السّماوات ومن في الأرض، حتّى الحيتان في البحر١، وحتّى النملة في جُحْرها، وأنّ الله وملائكته يصلُّون على معلِّمِ النّاسِ الخيرَ٢.
ولقد رحل كليم الرّحمن٣ موسى بن عمران ﵇ في طلب العلم هو وفتاه، حتّى مَسَّهم النَّصَبُ في سفرهم في طلب العلم، حتّى ظفر بثلاث مسائل٤. وهو أكرم الخلق على الله وأعلمهم به.
وأمر الله رسوله أن يسأله المزيد منه فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾[طه: ١١٤].
وحرّم الله صيد الجوارح الجاهلة، وإنّما أباح للأمّة صيد الجوارح العالمة٥. فهكذا جوارح الإنسان الجاهل لا يُجدِي عليه صيدُها من الأعمال شيئًا.
(١) كما في حديث أبي الدرداء الذي أخرجه أحمد (٢١٧١٥)، وأبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣)، وهو حديث حسن بشواهده، وصححه ابن حبان (٨٨) وغيره، وقال الحافظ في «الفتح» (١/ ١٩٣): له شواهد يتقوى بها.
(٢) كما في حديث أبي أمامة الذي أخرجه الترمذي (٢٦٨٥)، والطبراني في «الكبير» (٧٩١٢) وغيرهما، ورُوي عن مكحول مرسلًا، أخرجه الدارمي (٢٩٧) وغيره.