مدارج السالكين

ويكفي في شرفه: أنّ فضل أهله على العباد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وأنّ الملائكة تضع لهم أجنحتها، وتُظِلُّهم بها، وأنّ العالم يستغفر له من في السّماوات ومن في الأرض، حتّى الحيتان في البحر١، وحتّى النملة في جُحْرها، وأنّ الله وملائكته يصلُّون على معلِّمِ النّاسِ الخيرَ٢.

ولقد رحل كليم الرّحمن٣ موسى بن عمران ﵇ في طلب العلم هو وفتاه، حتّى مَسَّهم النَّصَبُ في سفرهم في طلب العلم، حتّى ظفر بثلاث مسائل٤. وهو أكرم الخلق على الله وأعلمهم به.

وأمر الله رسوله أن يسأله المزيد منه فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].

وحرّم الله صيد الجوارح الجاهلة، وإنّما أباح للأمّة صيد الجوارح العالمة٥. فهكذا جوارح الإنسان الجاهل لا يُجدِي عليه صيدُها من الأعمال شيئًا.

  1. (١) كما في حديث أبي الدرداء الذي أخرجه أحمد (٢١٧١٥)، وأبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣)، وهو حديث حسن بشواهده، وصححه ابن حبان (٨٨) وغيره، وقال الحافظ في «الفتح» (١/ ١٩٣): له شواهد يتقوى بها.
  2. (٢) كما في حديث أبي أمامة الذي أخرجه الترمذي (٢٦٨٥)، والطبراني في «الكبير» (٧٩١٢) وغيرهما، ورُوي عن مكحول مرسلًا، أخرجه الدارمي (٢٩٧) وغيره.
  3. (٣) ل: «الله».
  4. (٤) ذكرها الله تعالى في سورة الكهف: ٧٠ - ٨٢.
  5. (٥) أشار إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ﴾ [المائدة: ٤].
283

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀١: (العلم ما قام بدليلٍ، ورفعَ الجهل).

يريد: أنّ العلم له علامةٌ قبله وعلامةٌ بعده، فعلامته قبله: ما قام به الدّليل، وعلامته بعده: رفع الجهل.

قال٢: (وهو على ثلاث درجات. الدّرجة الأولى: علمٌ جليٌّ به يقع العِيانُ٣، أو استفاضةٌ صحيحةٌ، أو صحّةُ تجربةٍ قديمةٍ).

يريد بالجليِّ: الظّاهر الذي لا خفاء به، وجعله ثلاثة أنواعٍ:

أحدها: ما وقع عن عِيانٍ، وهو البصر.

والثّاني: ما استند إلى السّمع، وهو علم الاستفاضة.

والثّالث: ما استند إلى العقل، وهو علم التّجربة.

فهذه الطُّرق الثّلاثة ــ وهي السّمع والبصر والعقل ــ هي طرق العلم وأبوابه. ولا تنحصر طرق العلم فيما ذكره، فإنّ سائر الحواسِّ تُوجب العلم.

وكذا ما يُدرَك بالباطن، وهي الوجدانيّات.

وكذا ما يُدرك بخبر المخبر الصّادق، وإن كان واحدًا.

وكذا ما يحصل بالفكر والاستنباط. وإن لم يكن تجربةً.

فالعلم لا يتوقّف على هذه الثّلاثة التي ذكرها فقط.

  1. (١) (ص ٦١).
  2. (٢) «المنازل» (ص ٦١).
  3. (٣) في «المنازل»: «يقع بعيان».
284

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي