مدارج السالكين

لفظ «السِّرِّ» يطلق في لسانهم ويراد به أمورٌ:

أحدها: اللّطيفة المودَعة في هذا القالب، التي بها حصل له الإدراك والمحبّة والإرادة والعلم. وذلك هو الرُّوح.

الثّاني: معنًى قائمٌ بالرُّوح، نسبته إلى الرُّوح كنسبة الرُّوح إلى البدن. وغالبُ ما يريدون به هذا المعنى.

وعندهم: أنّ القلب أشرف ما في البدن، والرُّوح أشرف من القلب، والسِّرّ ألطفُ من الرُّوح١.

وعندهم: للسِّرِّ سرٌّ آخر لا يطّلع عليه غير الحقِّ ﷾، وصاحبه لا يطّلع عليه. وإن اطّلع على سرِّه فيقولون: السِّرُّ ما لكَ عليه إشرافٌ، وسرُّ السِّرِّ ما لا اطِّلاعَ عليه لغير الحقِّ سبحانه٢.

والمعنى الثّالث: يراد به ما يكون مَصُونًا مكتومًا بين العبد وبين ربِّه، من الأحوال والمقامات. كما قال بعضهم: أسرارنا بِكرٌ، لم يَفْتضَّها وهمُ واهمٍ٣. ويقول قائلهم: لو عَرفَ زِرِّي سرِّي لطرحتُه٤.

والمقصود قوله: «ينبت في الأسرار الطّاهرة». يعني: الطّاهرة من كَدَر الدُّنيا والاشتغال بها، وعلائقِها التي تعوق الأرواح عن ديار الأفراح، فإنّ هذه

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ٢٩٣).
  2. (٢) المصدر نفسه.
  3. (٣) المصدر نفسه.
  4. (٤) المصدر نفسه.
286

أكدارٌ وتنفُّساتٌ في مرآة القلب والرُّوح، فلا تتجلَّى١ فيها صور الحقائق كما ينبغي. والنّفس تتنفَّس فيها دائمًا بالرّغبة في الدُّنيا والرّهبة من فوتها، فإذا جُلِيت المرآة بإذهاب هذه الأكدار صَفَتْ، فظهرت فيها الحقائق والمعارف.

وأمّا الأبدان الزّاكية، فهي التي زَكَتْ بطاعة الله، ونبتتْ على أكل الحلال. فمتى خلصت٢ الأبدان من الحرام وأدناسِ البشريّة، التي ينهى عنها العقل والدِّين والمروءة، وطَهُرت الأنفس من علائق الدُّنيا= زكَتْ أرضُ القلب، فقبلتْ بذْرَ العلوم والمعارف. فإن سُقِيتْ بعد ذلك بماء الرِّياضة الشّرعيّة النّبويّة المحمّديّة ــ وهي لا تخرج عن علمٍ، ولا تبعد عن واجبٍ، ولا تُعطِّل سنّةً ــ أنبتتْ من كلِّ زوجٍ كريمٍ، من علمٍ وحكمةٍ وفائدةٍ وتعرُّفٍ. فاجتنى منها صاحبُها ومَن جالسه أنواعَ الطُّرف والفوائد والثِّمار، كما قال بعض السّلف٣: إذا عَقَدت القلوب على ترك المعاصي جالتْ في الملكوت، ثمّ رجعتْ إلى أصحابها بأنواع التُّحَف والفوائد.

قوله: (وتظهر في الأنفاس الصّادقة)، يريد بالأنفاس أمرين:

أحدهما: أنفاس الذِّكر والمعرفة.

والثّاني: أنفاس المحبّة والإرادة. وهي ما يتعلّق بالمعروف المذكور، وبالمحبوب المراد من الذّاكر والمحبِّ.

  1. (١) ش، د: «ينجلي».
  2. (٢) د: «حصلت».
  3. (٣) هو أبو سليمان الداراني كما في «صفة الصفوة» (٤/ ٢٣٢)، و«مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٤٢، ٤٣)، و«الآداب الشرعية» (٢/ ٦٠).
287

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي