مدارج السالكين

وصدقها: خلوصها من شوائب الأغيار والحظوظ.

وقوله: (لأهل الهِمَم العالية)، فهي التي لا تقف دون الله ﷿، ولا تُعرِّج في سفرها على شيءٍ سواه. وأعلى الهمم: ما تعلّق بالعليِّ الأعلى. وأوسعها: ما تعلّق بصلاح العباد. وهي هِمَمُ الرُّسل وورثتهم.

وقوله: (في الأحايين الخالية).

يريد بها: ساعات الصّفاء مع الله تعالى، وأوقات النّفحات الإلهيّة، التي من تعرَّضَ لها يوشك أن لا يُحْرَمها، ومن أعرضَ عنها فهي عنه أشدُّ إعراضًا.

وقوله: (في الأسماع الصّاحية).

وهي التي صَحَتْ من تعلُّقها بالباطل واللّغو، وأصاخَتْ لدعوة الحقِّ ومنادي الإيمان. فإنّ الباطل واللّغو خمر الأسماع والعقول، فصَحْوُها بتجنُّبِه والإصغاء إلى دعوة الحقِّ.

قوله: (وهو علمٌ يُظهِر الغائب)، أي يكشف ما كان غائبًا عن العارف.

قوله: (ويُغيِّب الشّاهد)، أي يُغيِّبه عن شهود ما سوى مشهوده الحقِّ.

(ويشير إلى الجمع)، وهو مقام الفردانيّة، واضمحلال الرُّسوم حتّى رَسْم الشّاهد نفسه.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّالثة: علمٌ لَدُنِّيٌ. إسناده وجوده، وإدراكه عيانُه، ونعتُه حكُمه. ليس بينه وبين الغيب حجابٌ).

  1. (١) «المنازل» (ص ٦٢).
288

يشير القوم بالعلم اللّدنِّي إلى١ ما يحصل للعبد بغير واسطةٍ، بل إلهامٍ من الله، وتعريفٍ منه لعبده، كما حصل للخضر ﵇ بغير واسطة موسى، قال تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥].

وفرَّقَ بين الرّحمة والعلم، وجعلهما «من عنده» و«من لدنه» إذ لم ينلهما على يد بشرٍ، وكان ما لدنه أخصَّ وأقرب مما عنده، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠]. فالسلطان النّصير الذي من لدنه سبحانه أخصُّ من الذي عنده وأقربُ. وهو نصْره الذي أيّده به. والّذي من عنده: نصْرُه بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢].

والعلم اللّدنِّيُّ٢ ثمرة العبوديّة والمتابعة، والصِّدق مع الله، والإخلاص له، وبذلِ الجهد في تلقِّي العلم من مشكاة رسوله من كتابه وسنة رسوله، وكمالِ الانقياد له. فيفتح له من فهم الكتاب والسُّنّة بأمرٍ يخصُّه به، كما قال عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁ ــ وقد سئل هل خصَّكم رسول الله ﷺ بشيءٍ دون النّاس؟ ــ فقال: لا والّذي فَلَقَ الحبّةَ، وبرأَ النّسمةَ، إلّا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه٣.

فهذا هو العلم اللّدنِّيُّ الحقيقيُّ، وأمّا علمُ من أعرض عن الكتاب والسُّنّة ولم يتقيّد بهما: فهو من لَدُنِ النّفس والشّيطان، فهو لدنّيٌّ لكن مِن لَدُنْ مَن؟

  1. (١) «إلى» ليست في ش، د.
  2. (٢) بعدها في هامش ل: «هو». وليست في ش، د.
  3. (٣) أخرجه البخاري (٣٠٤٧، ٦٩٠٣، ٦٩١٥).
289

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي