مدارج السالكين

يشير القوم بالعلم اللّدنِّي إلى١ ما يحصل للعبد بغير واسطةٍ، بل إلهامٍ من الله، وتعريفٍ منه لعبده، كما حصل للخضر ﵇ بغير واسطة موسى، قال تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥].

وفرَّقَ بين الرّحمة والعلم، وجعلهما «من عنده» و«من لدنه» إذ لم ينلهما على يد بشرٍ، وكان ما لدنه أخصَّ وأقرب مما عنده، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠]. فالسلطان النّصير الذي من لدنه سبحانه أخصُّ من الذي عنده وأقربُ. وهو نصْره الذي أيّده به. والّذي من عنده: نصْرُه بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢].

والعلم اللّدنِّيُّ٢ ثمرة العبوديّة والمتابعة، والصِّدق مع الله، والإخلاص له، وبذلِ الجهد في تلقِّي العلم من مشكاة رسوله من كتابه وسنة رسوله، وكمالِ الانقياد له. فيفتح له من فهم الكتاب والسُّنّة بأمرٍ يخصُّه به، كما قال عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁ ــ وقد سئل هل خصَّكم رسول الله ﷺ بشيءٍ دون النّاس؟ ــ فقال: لا والّذي فَلَقَ الحبّةَ، وبرأَ النّسمةَ، إلّا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه٣.

فهذا هو العلم اللّدنِّيُّ الحقيقيُّ، وأمّا علمُ من أعرض عن الكتاب والسُّنّة ولم يتقيّد بهما: فهو من لَدُنِ النّفس والشّيطان، فهو لدنّيٌّ لكن مِن لَدُنْ مَن؟

  1. (١) «إلى» ليست في ش، د.
  2. (٢) بعدها في هامش ل: «هو». وليست في ش، د.
  3. (٣) أخرجه البخاري (٣٠٤٧، ٦٩٠٣، ٦٩١٥).
289

وإنّما يُعرف كون العلم لدنّيًّا رحمانيًّا بموافقته لما جاء به الرّسول عن ربِّه ﷿. فالعلم اللّدنِّيُّ نوعان: لدنِّيٌّ رحمانيٌّ، ولدنِّيٌّ شيطانيٌّ بطناويٌّ. والمحَكُّ هو الوحي، ولا وحيَ بعد رسول الله ﷺ.

وأمّا قصّة موسى مع الخضر ﵉، فالتّعلُّق بها في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللّدنِّيِّ إلحادٌ وكفرٌ مُخرِجٌ عن الإسلام، موجبٌ لإراقة الدّم.

والفرق: أنّ موسى ﵇ لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأمورًا بمتابعته، ولو كان مأمورًا بها لوجب عليه أن يهاجر إلى موسى ويكون معه. ولهذا قال له: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم١.

ومحمّدٌ ﷺ مبعوثٌ إلى جميع الثِّقلين، فرسالته عامّةٌ للجنِّ والإنس في كلِّ زمانٍ، ولو كان موسى وعيسى حيَّينِ لكانا من أتباعه، وإذا نزل عيسى ابن مريم ﵉ فإنّما يحكم بشريعة محمّدٍ ﷺ.

فمن ادّعى أنّه مع محمّدٍ ﷺ كالخضر مع موسى، أو جوَّز ذلك لأحدٍ من الأمّة= فليجدِّد إسلامه، وليتشهَّدْ شهادة الحقِّ، فإنّه مفارقٌ لدين الإسلام بالكلِّيّة، فضلًا عن أن يكون من خاصّة أولياء الله. وإنّما هو من أولياء الشّيطان وخلفائه ونُوَّابه.

وهذا الموضع مَقطعٌ ومَفرقٌ بين زنادقة القوم وبين أهل الاستقامة منهم، فحرِّك تَرَ٢.

  1. (١) كما في حديث أُبي بن كعب الذي رواه البخاري (١٢٢) ومسلم (٢٣٨٠).
  2. (٢) ش، د: «ترى».
290

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي