يعني: أنّ طريق هذا العلم هو وجدانه، كما أنّ طريق غيره هو الإسناد.
(وإدراكُه عيانه). أي أنّ هذا العلم لا يؤخذ بالفكر والاستنباط، وإنّما يُؤخذ عيانًا وشهودًا.
(ونعتُه حكمه). يعني: أنّ نعوته لا يُوصل إليها إلّا به، فهي قاصرةٌ عنه، يعني أنّ شاهده منه، ودليله وجوده، وإنِّيتُه لِمِّيّته. فبرهان الإنِّ فيه هو برهان اللّمِّ، فهو الدّليل وهو المدلول. ولذاك لم يكن بينه وبين الغيب حجابٌ. بخلاف ما دونه من العلوم، فإنّ بينه وبين العلوم١ حجابٌ٢.
والّذي يشير إليه القوم: هو نورٌ من جناب المشهود يمحو قوى الحواسِّ وأحكامها، ويقوم لصاحبها مقامها، فيرى المشهود بنوره، ويفنى ما سواه بظهوره. وهذا عندهم معنى الأثر الإلهيِّ: «فإذا أحببتُه كنتُ سَمْعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، فبي يسمع، وبي يُبصِر»٣.
والعلم اللّدنيُّ الرّحمانيُّ هو ثمرة هذه الموافقةِ والمحبّة التي أوجبها التّقرُّب بالنّوافل بعد الفرائض. واللّدنِّيُّ الشّيطانيُّ ثمرة الإعراض عن الوحي وتحكيمِ الهوى. والله المستعان٤.
✽ ✽ ✽
(١) د: «الغيوب». وكذا في هامش ش.
(٢) كذا في الأصول مرفوعًا.
(٣) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة ﵁. وتقدم غير مرة.
(٤) «والله المستعان» ليست في د.
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الحكمة.
قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾[البقرة: ٢٦٩]. وقال: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾[النساء: ١١٣]. وقال عن المسيح ﵇: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾[آل عمران: ٤٨].
الحكمة في كتاب الله نوعان: مفردةٌ، ومقرونةٌ١ بالكتاب. فالمفردة فُسِّرت بالنُّبوّة، وفُسِّرت بعلم القرآن. قال ابن عبّاسٍ ﵄: هي علم القرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدَّمه ومؤخَّره، وحلاله وحرامه، وأمثاله٢.
وقال الضّحّاك: القرآن والفهم فيه٣.
وقال مجاهدٌ: هي القرآن والعلم والفقه٤. وفي روايةٍ أخرى عنه: هي الإصابة في القول والفعل٥.
(١) ل: «ومقترنة».
(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٥/ ٨)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٢/ ٥٣١). والمؤلف صادر عن «تفسير البغوي» (١/ ٢٥٦)، ومنه نقل الأقوال الآتية.
(٣) «تفسير البغوي» (١/ ٢٥٦). وهو مروي عن أبي العالية في «تفسير الطبري» (٥/ ٩).
(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٩)، وابن أبي حاتم (٢/ ٥٣١) وغيرهما.