مدارج السالكين

وقال النّخعيُّ: هي [معرفة] معاني الأشياء وفهمها١.

وقال الحسن: الورع في دين الله٢. كأنّه فسّرها بثمرتها ومقتضاها.

وأمّا الحكمة المقرونة بالكتاب فهي السُّنّة. كذلك قال الشّافعيُّ وغيره من الأئمّة٣. وقيل: هي القضاء بالوحي٤. وتفسيرها بالسُّنّة أعمُّ وأشهر.

وأحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهدٍ ومالكٍ: إنّها معرفة الحقِّ والعمل به، والإصابة في القول والعمل٥. وهذا لا يكون إلّا بفهم القرآن، والفقه في شرائع الإسلام وحقائق الإيمان.

والحكمة حكمتان: علميّةٌ وعمليّةٌ. فالعلميّة: الاطِّلاع على بواطن الأشياء، ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبَّباتها خلقًا وأمرًا، قدرًا وشرعًا.

والعملية كما قال صاحب «المنازل»٦: (هي وضع الشّيء في موضعه).

  1. (١) «تفسير البغوي» (١/ ٢٥٧) ومنه الزيادة بين معكوفتين. وأخرجه الطبري (٥/ ١١)، وابن أبي حاتم (٢/ ٥٣٢).
  2. (٢) ذكره الثعلبي في «الكشف والبيان» (٢/ ٢٧٢)، وعنه البغوي (١/ ٢٥٧) وغيره.
  3. (٣) انظر: «الرسالة» (ص ٢٧، ٧٢).
  4. (٤) روي ذلك عن ابن عباس كما في «زاد المسير» (٢/ ١٩٧). وانظر: «تفسير البغوي» (١/ ٤٧٩)، والقرطبي (٥/ ٣٨٢).
  5. (٥) رواه ابن وهب في «جامعه» (٢/ ١٣٠ - التفسير)، ومن طريقه ابن أبي حاتم (٢/ ٥٣٢) عن مالك بنحوه. وانظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٢٧٠). وتقدم تخريجه عن مجاهد.
  6. (٦) (ص ٦٢).
293

قال١: (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: أن تُعطي كلّ شيءٍ حقَّه ولا تُعدِّيه حدّه، ولا تُعجِّله عن وقته، ولا تُؤخِّره عنه).

لمّا كانت الأشياء لها مراتب وحقوقٌ تقتضيها شرعًا وقدرًا، ولها حدودٌ ونهاياتٌ تصل إليها ولا تتعدّاها، ولها أوقاتٌ لا تتقدّم عنها ولا تتأخّر= كانت الحكمة مراعاة هذه الجهات الثّلاث: بأن يُعطي المرتبةَ حقَّها الذي أحقَّه الله لها بشرعه وقدره، ولا يتعدّى بها حدّها فيكون متعدِّيًا مخالفًا للحكمة، ولا يطلب تعجيلها عن وقتها فيخالف الحكمة، ولا تأخيرها عنه فيفوتها.

وهذا حكمٌ عامٌّ لجميع الأسباب مع مسبّباتها شرعًا وقدرًا، فإضاعتها تعطيلٌ للحكمة بمنزلة إضاعة البذر وسَقْي الأرض.

وتعدِّي الحقِّ: كسَقْيها فوقَ حاجتها، بحيث يغرق البذر والزّرع ويفسد.

وتعجيلها عن وقتها: كحصاده قبل إدراكه وكماله.

وكذلك تركُ الغذاء والشّراب واللِّباس إخلالٌ بالحكمة، وتعدِّي الحدِّ المحتاج إليه خروجٌ عنها أيضًا، وتعجيل ذلك قبل وقته إخلالٌ بها أو تأخيره عن وقته.

فالحكمة إذًا: فعلُ ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي.

والله تعالى أورث الحكمة آدمَ وبنيه. فالرّجل من له إرثٌ كاملٌ من أبيه، ونصفُ الرّجل ــ كالمرأة ــ له نصف ميراثٍ، والتّفاوت في ذلك لا يحصيه إلّا الله تعالى.

  1. (١) «المنازل» (ص ٦٢).
294

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي