أحدها: أنّها مطابقةُ علمه لمعلومه، وإرادته ومشيئته لمراده. هذا تفسير الجبريّة. وهو في الحقيقة نفيٌ للحكمة، إذ مطابقة المعلوم والمرادِ أعمُّ من أن يكون حكمةً أو خلافها، فإنّ السّفيه من العباد يطابق علمه وإرادته لمعلومه ومراده، مع كونه سفيهًا.
الثّاني ــ مذهب القدريّة النُّفاة ــ: أنّها مصالح العباد ومنافعهم العائدة عليهم. وهو إنكارٌ لوصفه تعالى بالحكمة، وردُّها١ إلى مخلوقٍ من مخلوقاته.
الثّالث ــ قول أهل الإثبات والسُّنّة ــ: أنّها الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه بخلقه وأمره، التي أَمر لأجلها، وقَدَّر وخلقَ لأجلها. وهي صفته القائمة به كسائر صفاته: من سمعه وبصره، وقدرته وإرادته، وعلمه وحياته وكلامه.
وللرّدِّ على طائفتي٢ الجبريّة والقدريّة موضعٌ آخر غير هذا.
فصل
قال٣: (الدّرجة الثّالثة: أن تبلُغ في استدلالك البصيرةَ، وفي إرشادك الحقيقةَ، وفي إشارتك الغايةَ).
يريد: أن تصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم، وهي البصيرة التي
(١) ل: «وردُّوها».
(٢) د: «طائفة».
(٣) «المنازل» (ص ٦٣).
تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئيِّ١ إلى البصر. وهذه هي الخَصِيصة التي اختصّ بها الصّحابة عن سائر الأمّة، وهي أعلى درجات العلماء. قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾[يوسف: ١٠٨] أي أنا وأتباعي على بصيرةٍ. وقيل: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عطفٌ على المرفوع بأدعو، أي أنا أدعو إلى الله على بصيرةٍ، ومَن اتّبعني كذلك يدعو إلى الله على بصيرةٍ٢.
وعلى القولين فالآية تدلُّ على أنّ أتباعه هم أهل البصائر الدّاعون٣ إلى الله. فمن ليس منهم فليس من أتباعه على الحقيقة والموافقة، وإن كان من أتباعه على الانتساب والدّعوة٤.
وقوله: (وفي إرشادك الحقيقة)، إمّا أن يريد: أنّك إذا أرشدت غيرك تبلغ في إرشاده إلى الحقيقة، أو تبلغ في إرشاد غيرك لك٥ إلى الحقيقة، ولا تقف دونها.
فعلى الأوّل: المصدر مضافٌ إلى الفاعل، وعلى الثّاني: إلى المفعول. والمعنى: أنّك تكون من أهل الوجود الذين إذا أشاروا لم يشيروا إلّا إلى الغاية المطلوبة التي ليس وراءها مرمى.