مدارج السالكين

تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئيِّ١ إلى البصر. وهذه هي الخَصِيصة التي اختصّ بها الصّحابة عن سائر الأمّة، وهي أعلى درجات العلماء. قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] أي أنا وأتباعي على بصيرةٍ. وقيل: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عطفٌ على المرفوع بأدعو، أي أنا أدعو إلى الله على بصيرةٍ، ومَن اتّبعني كذلك يدعو إلى الله على بصيرةٍ٢.

وعلى القولين فالآية تدلُّ على أنّ أتباعه هم أهل البصائر الدّاعون٣ إلى الله. فمن ليس منهم فليس من أتباعه على الحقيقة والموافقة، وإن كان من أتباعه على الانتساب والدّعوة٤.

وقوله: (وفي إرشادك الحقيقة)، إمّا أن يريد: أنّك إذا أرشدت غيرك تبلغ في إرشاده إلى الحقيقة، أو تبلغ في إرشاد غيرك لك٥ إلى الحقيقة، ولا تقف دونها.

فعلى الأوّل: المصدر مضافٌ إلى الفاعل، وعلى الثّاني: إلى المفعول. والمعنى: أنّك تكون من أهل الوجود الذين إذا أشاروا لم يشيروا إلّا إلى الغاية المطلوبة التي ليس وراءها مرمى.

  1. (١) د: «المرآة».
  2. (٢) انظر: «البحر المحيط» (٥/ ٣٥٣).
  3. (٣) ل: «الداعين».
  4. (٤) الدعوة هنا بمعنى الادّعاء كما في المعاجم.
  5. (٥) «لك» ليست في ل. وفي ش، د: «غيره ذلك».
298

والقوم يسمُّون أخبارهم عن المعارف وعن المطلوب إشاراتٍ، لأنّ المعروف والمطلوب أجلُّ من أن يُفصَح عنه بعبارةٍ مطابقةٍ، وشأنه فوق ذلك. فالكامل مَن إشارته إلى الغاية، ولا يكون ذلك إلّا لمن فني عن رسمه وهواه وحظِّه، وبقي بربِّه ومراده الدِّينيِّ الأمريِّ. وكلُّ أحدٍ فإشارته بحسب معرفته وهمّته، ومعارف القوم وهِمَمُهم تؤخذ من إشاراتهم١. والله المستعان٢.

  1. (١) ش، د: «إشارتهم».
  2. (٢) «والله المستعان» ليست في د.
299

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي