والقوم يسمُّون أخبارهم عن المعارف وعن المطلوب إشاراتٍ، لأنّ المعروف والمطلوب أجلُّ من أن يُفصَح عنه بعبارةٍ مطابقةٍ، وشأنه فوق ذلك. فالكامل مَن إشارته إلى الغاية، ولا يكون ذلك إلّا لمن فني عن رسمه وهواه وحظِّه، وبقي بربِّه ومراده الدِّينيِّ الأمريِّ. وكلُّ أحدٍ فإشارته بحسب معرفته وهمّته، ومعارف القوم وهِمَمُهم تؤخذ من إشاراتهم١. والله المستعان٢.
✽ ✽ ✽
(١) ش، د: «إشارتهم».
(٢) «والله المستعان» ليست في د.
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الفراسة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾[الحجر: ٧٥]. قال مجاهدٌ ﵀: للمتفرِّسين. وقال ابن عبّاسٍ ﵄: للنّاظرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال مقاتلٌ: للمتفكِّرين١.
ولا تَنافِيَ بين هذه الأقوال، فإنّ النّاظر متى نظر في آثار ديار المكذِّبين ومنازلهم وما آل إليه أمرهم= أورثه فراسةً وعبرةً وفكرةً. وقال تعالى في حقِّ المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾[محمد: ٣٠]. فالأوّل: فراسة النّظر والعين. والثّاني: فراسة الأذن والسّمع.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: علَّق معرفته إيّاهم بالنّظر على المشيئة، ولم يُعلِّق تعريفهم بلحن خطابهم على شرطٍ، بل أخبر به خبرًا مؤكّدًا بالقسم، فقال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾، وهو تعريض الخطاب وفحوى الكلام ومغزاه.
واللّحن ضربان: صوابٌ وخطأٌ. فلحن الصّواب نوعان:
أحدهما: الفطنة. ومنه: «ولعلّ بعضهم أن يكون ألحنَ بحجّته من بعضٍ»٢.