مدارج السالكين

والثّاني: التّعريض والإشارة. وهو قريبٌ من الكناية، ومنه قول الشّاعر١:

وحديثٌ ألذُّه وهْوَ ممّايشتهي السّامعون يُوزَن وزنَا
منطقٌ صائبٌ وتلحنُ٢ أحيانًا وخيرُ الحديثِ ما كان لحنَا

والثّالث٣: فساد الإعراب. وحقيقته: تغيير الكلام عن وجهه، إمّا إلى خطأٍ بِهِ، وإمّا إلى معنًى خفيٍّ لم يُوضع له اللّفظ.

والمقصود: أنّه سبحانه أقسم على معرفتهم من لحن خطابهم، فإنّ معرفة المتكلِّم وما في ضميره من كلامه أقربُ من معرفته بسيماه وما في وجهه، فإنّ دلالة الكلام على قصد قائله وضميره أظهرُ من دلالة السِّيما المرئيّة. والفراسة تتعلّق بالنّوعين بالنّظر والسّماع. وفي التِّرمذيِّ٤ من

  1. (١) هو مالك بن أسماء الفزاري، كما في «البيان والتبيين» (١/ ١٤٧، ٢٢٨)، و«الشعر والشعراء» (٢/ ٧٨٢)، و«أدب الكتاب» للصولي (ص ١٣١) وغيرها. وانظر «سمط اللآلي» (١/ ١٦).
  2. (٢) في النسخ: «ويلحن». والمثبت من مصادر التخريج.
  3. (٣) في هامش ل: «صوابه والثاني». نبَّه بذلك على أنه ليس من لحن الصواب، بل ذكر هنا لحن الخطأ، وهو قسيمه. فالأولى أن يكون «والثاني». ولكن جميع النسخ أطبقت على «والثالث».
  4. (٤) رقم (٣١٢٧) من حديث مصعب بن سلام عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد. قال الترمذي: «هذا حديث غريب». وعطية ضعيف مدلِّس، ومصعب بن سلام ضعيف واهٍ يقلب الحديث، وقد خلط في هذا الحديث. ورُوي من حديث عدد من الصحابة، وفي أسانيدها ضعف.
301

حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ عن النّبيِّ ﷺ قال: «اتّقوا فراسةَ المؤمن، فإنّه ينظر بنور الله». ثمّ قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥].

فصل

والفراسة ثلاثة أنواعٍ:

إيمانيّةٌ، وهي المتكلَّم فيها في هذه المنزلة.

وسببها: نور يَقذِفه الله في قلب عبده، يُفرِّق به بين الحقِّ والباطل، والحالي والعاطل، والصّادق والكاذب.

وحقيقتها: أنّها خاطرٌ يَهجُم على القلب ينفي ما يضادُّه، يَثِبُ على القلب كوثوب الأسد على الفريسة، لكنّ الفريسة فعيلةٌ بمعنى مفعولة، وبناء الفراسة كبناء الولاية والإمارة والسِّياسة.

وهذه الفراسة على حسب قوّة الإيمان. فمن كان أقوى إيمانًا فهو أحدُّ فراسةً.

قال أبو سعيدٍ الخرّاز: من نظر بنور الفراسة نظر بنور الحقِّ، وتكون موادُّ علمه من الحقِّ بلا سهوٍ ولا غفلةٍ. بل حكم حقٍّ جرى على لسان عبده١.

وقال الواسطيُّ ﵀: الفراسة سَواطعُ أنوارٍ لمعتْ في القلوب، وتمكينُ معرفةٍ حَملت السّرائرَ في الغيوب من غيبٍ إلى غيبٍ، حتّى يشهد الأشياءَ من حيث أشهده الحقُّ إيّاها، فيتكلّم عن ضمير الخلق٢.

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ٥١٤).
  2. (٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٥١٤، ٥١٥).
302

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي