مدارج السالكين

وقال الدّارانيُّ ﵀: الفراسة مكاشفة النّفس١ ومعاينة الغيب، وهي من مقامات الإيمان٢.

وسئل بعضهم عن الفراسة؟ فقال: أرواحٌ تتقلَّبُ في الملكوت، فتُشرِف على معاني الغيوب، فتَنطِق عن أسرار الخلق، نُطْقَ مشاهدةٍ لا نُطْقَ ظنٍّ وحسبانٍ٣.

وقال أبو عمرو بن نُجيدٍ: كان شاه الكرمانيُّ حادَّ الفراسة، لا يخطئ، ويقول: من غضَّ بصرَه عن المحارم، وأمسك نفسَه عن الشّهوات، وعَمَرَ باطنَه بدوام المراقبة وظاهرَه باتِّباع السُّنّة، وتعوَّدَ أكلَ الحلال= لم تُخطِئْ فراسته٤.

وقال أبو جعفرٍ الحدّاد: الفراسة أوّل خاطرٍ بلا مُعارضٍ، فإن عارضه معارضٌ من جنسه فهو خاطرٌ وحديثُ نفسٍ٥.

وقال أبو حفصٍ النّيسابوريُّ: ليس لأحدٍ أن يدَّعي الفراسة، ولكن يتّقي الفراسة من الغير٦، لأنّ النّبيّ ﷺ قال: «اتَّقوا فراسةَ المؤمن، فإنّه ينظر بنور الله». ولم يقل: «تفرّسوا». وكيف تصحُّ دعوى الفراسة لمن هو في محلِّ اتِّقاء

  1. (١) كذا في النسخ. وفي «القشيرية»: «اليقين».
  2. (٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٥١٥).
  3. (٣) المصدر نفسه (ص ٥١٥).
  4. (٤) المصدر نفسه (ص ١٧٢، ٥١٨). ورواه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٣٧). وانظر تعليق المؤلف عليه في «إغاثة اللهفان» (١/ ٧٦، ٧٧).
  5. (٥) المصدر نفسه (ص ٥١٩). ورواه السلمي في «تفسيره» (١/ ٣٥٩).
  6. (٦) ل: «العين».
303

الفراسة؟١.

وقال أحمد بن عاصمٍ الأنطاكيُّ: إذا جالستم أهلَ الصِّدق فجالسوهم بالصِّدق، فإنّهم جواسيسُ القلوب، يدخلون في قلوبكم ويخرجون من حيث لا تحتسبون٢.

وكان الجنيد ﵀ يومًا يتكلّم على النّاس، فوقف عليه شابٌّ نصرانيٌّ متنكِّرًا، فقال: أيُّها الشّيخ ما معنى قول رسول الله ﷺ: «اتّقوا فراسة المؤمن، فإنّه ينظر بنور الله»، فأطرق الجنيد، ثمّ رفع إليه رأسه وقال: أسلِمْ فقد حانَ وقتُ إسلامك. فأسلم الغلام٣.

ويقال في بعض الكتب القديمة: إنّ الصِّدِّيق لا تُخطئ فراستُه٤.

وقال ابن مسعودٍ ﵁: أفرسُ النّاس ثلاثةٌ: العزيز في يوسف، حيث قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ [يوسف: ٢١]. وابنة شعيبٍ حين قالت لأبيها في موسى: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: ٢٦]. وأبو بكرٍ في عمر حيث استخلفه. وفي روايةٍ أخرى: وامرأة فرعون حين قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص: ٩]٥.

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ٥١٩).
  2. (٢) المصدر نفسه (ص ٥١٩). وأورده الكلاباذي في «التعرف» (ص ٨).
  3. (٣) المصدر نفسه (ص ٥٢٧).
  4. (٤) المصدر نفسه (ص ٥٢٤). وانظر: «إحياء علوم الدين» (٢/ ٢٩٤).
  5. (٥) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٣/ ٢٧٣)، والحاكم في «المستدرك» (٣/ ٩٠)، والبيهقي في «الاعتقاد» (٢٠٧)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٤/ ٢٥٥). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
304

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي