مدارج السالكين

وكان الصِّدِّيق ﵁ أعظمَ الأمّة فراسةً. وبعده عمر بن الخطّاب ﵁، ووقائع فراسته مشهورةٌ، فإنّه ما قال لشيءٍ «أظنُّه كذا» إلّا كان كما قال١. ويكفي في فراسته موافقتُه ربّه في المواضع المعروفة٢.

ومرّ به سَواد بن قاربٍ ولم يكن يعرفه، فقال: لقد أخطأ ظنِّي، أو أنّ هذا كاهنٌ، أو كان يعرف الكهانة في الجاهليّة. فلمّا جلس بين يديه قال له ذلك عمر. فقال: سبحان الله! يا أمير المؤمنين، ما استقبلتَ أحدًا من جلسائك بمثل ما استقبلتَني به. فقال له عمر ﵁: ما كنّا عليه في الجاهليّة أعظم من ذلك. ولكن أخبرني عمّا سألتُك. فقال: صدقتَ يا أمير المؤمنين، كنتُ كاهنًا في الجاهليّة. ثمّ ذكر القصّة٣.

وكذلك عثمان بن عفّان ﵁ كان صادقَ الفراسة. قال أنس بن مالكٍ ﵁: دخلتُ على عثمان بن عفّان ﵁، وكنت رأيتُ في الطّريق امرأةً تأمّلتُ محاسنَها، فقال عثمان ﵁: يدخل عليّ أحدكم وأثر الزِّنا ظاهرٌ في عينيه. فقلت: أوحيٌ بعد رسول الله ﷺ؟ فقال: لا، ولكن تبصرةٌ وبرهانٌ وفراسةٌ صادقةٌ٤.

  1. (١) انظر: «الطرق الحكمية» (١/ ٧٣ - ٧٨).
  2. (٢) نظمها السيوطي في قصيدة سماها «قطف الثمر في موافقات عمر»، مطبوعة ضمن «الحاوي للفتاوي» (٢/ ١١٣).
  3. (٣) أخرجها ابن منده في «معرفة الصحابة» (٢/ ٨٠٣)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٣٥٦٦) من طريق أبي جعفر الباقر. وجمع الحافظ طرقها في «الإصابة» (٤/ ٥٢٩ - ٥٣١). وأصلها عند البخاري (٣٨٦٦) باختصار دون تسمية الرجل. قال البيهقي في «الدلائل» (٢/ ٢٤٨): يُشبه أن يكون هو سواد بن قارب.
  4. (٤) أورده الغزالي في «الإحياء» (٣/ ٢٥)، وذكره المؤلف في «الطرق الحكمية» (١/ ٧٩). ولم أجده مسندًا.
305

وفراسة الصّحابة ﵅ أصدق الفراسة.

وأصلُ هذا النّوع من الفراسة: من الحياة والنُّور اللّذين يهبهما الله لمن يشاء من عباده، فيحيا القلب بذلك ويستنير١، فلا تكاد فراسته تخطئ. قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]. كان ميتًا بالكفر والجهل، فأحياه بالعلم والإيمان، وجعل له بالقرآن والإيمان نورًا يستضيء به في النّاس على قَصْد السّبيل، ويمشي به في الظُّلَم.

فصل

الفراسة الثّانية: فراسة الرِّياضة والجوع والسَّهَر والتّخلِّي، فإنّ النّفس إذا تجرّدت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجرُّدها. وهذه فراسةٌ مشتركةٌ بين المؤمن والكافر، ولا تدلُّ على إيمانٍ ولا على ولايةٍ. وكثيرٌ من الجهّال يَغتَرُّ بها، وللرُّهبان فيها وقائع معلومةٌ. وهي فراسةٌ لا تكشف عن حقٍّ نافعٍ، ولا عن طريقٍ مستقيمٍ. بل كشفها جزئيٌّ من جنس فراسة الوُلاة وأصحابِ عبارة الرُّؤيا والأطبّاءِ ونحوهم.

وللأطبّاء فراسةٌ معروفةٌ مِن حِذْقهم في صناعتهم. ومن أحبَّ الوقوف عليها فليطالع تواريخهم وأخبارهم. وقريبٌ من نصف الطِّبِّ فراسةٌ صادقةٌ يقترِنُ بها تجربةٌ.

  1. (١) ل: «ويستضيء».
306

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي