مدارج السالكين

وفراسة الصّحابة ﵅ أصدق الفراسة.

وأصلُ هذا النّوع من الفراسة: من الحياة والنُّور اللّذين يهبهما الله لمن يشاء من عباده، فيحيا القلب بذلك ويستنير١، فلا تكاد فراسته تخطئ. قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]. كان ميتًا بالكفر والجهل، فأحياه بالعلم والإيمان، وجعل له بالقرآن والإيمان نورًا يستضيء به في النّاس على قَصْد السّبيل، ويمشي به في الظُّلَم.

فصل

الفراسة الثّانية: فراسة الرِّياضة والجوع والسَّهَر والتّخلِّي، فإنّ النّفس إذا تجرّدت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجرُّدها. وهذه فراسةٌ مشتركةٌ بين المؤمن والكافر، ولا تدلُّ على إيمانٍ ولا على ولايةٍ. وكثيرٌ من الجهّال يَغتَرُّ بها، وللرُّهبان فيها وقائع معلومةٌ. وهي فراسةٌ لا تكشف عن حقٍّ نافعٍ، ولا عن طريقٍ مستقيمٍ. بل كشفها جزئيٌّ من جنس فراسة الوُلاة وأصحابِ عبارة الرُّؤيا والأطبّاءِ ونحوهم.

وللأطبّاء فراسةٌ معروفةٌ مِن حِذْقهم في صناعتهم. ومن أحبَّ الوقوف عليها فليطالع تواريخهم وأخبارهم. وقريبٌ من نصف الطِّبِّ فراسةٌ صادقةٌ يقترِنُ بها تجربةٌ.

  1. (١) ل: «ويستضيء».
306

فصل

الفراسة الثّالثة: الفراسة الخلقيّة. وهي التي صنَّف فيها الأطبّاء وغيرهم، واستدلُّوا بالخَلْق على الخُلق لما بينهما من الارتباط الذي اقتضتْه حكمة الله. كالاستدلال بصغر الرّأس الخارج عن العادة على صغر العقل، وبكِبَرِه على كِبَرِه. وبسعةِ الصّدر وبُعْدِ ما بين جانبيه على سعة خُلق صاحبه واحتمالِه وبَسْطته، وبضيقه على ضيقه. وبجمود العين وكَلالِ نظرها على بلادة صاحبها، وضعفِ حرارة قلبه. وبشدّة بياضها مع إشرابه بحمرةٍ ــ وهو الشَّكَل ــ على شجاعته وإقدامه وفطنته. وبتدويرها مع١ حمرتها وكثرةِ تقلُّبِها على خيانته ومكره وخداعه.

ومعظم تعلُّق الفراسة بالعين، فإنّها مرآة القلب وعنوان ما فيه. ثمّ باللِّسان، فإنّه رسوله وترجمانه. وبالاستدلال بزرقتها مع شقرة صاحبها على رداءته. وبالوحشة التي ترى عليها على سوء داخلتِه وفساد طويّته.

وكالاستدلال بإفراط الشّعر في السُّبوطة على البلادة، وبإفراطه٢ في الجعودة على الشّرِّ، وباعتداله على اعتدال صاحبه.

وأصل هذه الفراسة: أنّ اعتدال الخلقة والصُّورة هو من اعتدال المزاج والرُّوح، وعن اعتدالها يكون اعتدال الأخلاق والأفعال، وبحسب انحراف الخلقة والصُّورة عن الاعتدال يقع الانحراف في الأخلاق والأعمال.

هذا إذا خُلِّيت النّفس وطبيعتها.

  1. (١) ش: «على».
  2. (٢) ل: «وإفراطه».
307

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي