مدارج السالكين

ولكنّ صاحب الصُّورة والخلقة المعتدلة يكتسب بالمقارنة والمعاشرة أخلاقَ من يقارنه ويعاشره، ولو أنّه من الحيوان البهيم. فيصير من أخبث النّاس أخلاقًا وأفعالًا، وتعود له تلك طباعًا، ويتعذّر أو يتعسّر عليه الانتقالُ عنها.

وكذلك صاحب الخلقة والصُّورة المنحرفة عن الاعتدال، يكتسب بصحبة الكاملين وخُلطتِهم أخلاقًا وأفعالًا شريفةً تصير له كالطّبيعة، فإنّ العوائد والمزاولات تُعطي الملكاتِ والأخلاق.

فليتأمّل هذا الموضع، ولا يُعجِّل بالقضاء١ بالفراسة دونه، فإنّ القاضي حينئذٍ يكون خطؤه كثيرًا. فإنّ هذه العلامات أسبابٌ لا موجبةٌ، وقد تتخلَّف عنها أحكامها لفَواتِ شرطٍ أو لوجود مانعٍ.

وفراسة المتفرِّس تتعلّق بثلاثة أشياء: بعينه، وأُذنه، وقلبه. فعينه: للسِّيما والعلامات. وأذنه: للكلام وتصريحه وتعريضه، ومنطوقه ومفهومه، وفحواه وإشارته، ولحنه وإيمائه ونحو ذلك. وقلبه: للعبور والاستدلال من المنظور والمسموع إلى باطنه وخفيِّه، فيَعبُر إلى ما وراء ظاهره، كعبور النُّقّاد من ظاهر النّقش٢ والسِّكّة إلى باطن النّقد والاطِّلاع عليه: هل هو صحيحٌ أو زَغَلٌ؟ وكذلك عبور المتفرِّس من ظاهر الهيئة والدَّلِّ إلى باطن الرُّوح والقلب، فنسبةُ نقدِه للأرواح من الأشباح كنسبة نقد الصّيرفيِّ للجوهر من ظاهر السِّكّة والنّقد.

  1. (١) ش، د: «فالقضاء».
  2. (٢) «النقش و» ليست في ش، د.
308

وكذلك نقد أهل الحديث، فإنّه يمرُّ بهم إسنادٌ ظاهرٌ كالشّمس على متنٍ مكذوبٍ، فيُخرِجه نقدهم كما يُخرِج الصّيرفيُّ الزّغلَ تحت الظّاهر من الفضّة.

وكذلك فراسة التّمييز بين الصّادق والكاذب في أقواله وأفعاله وأحواله.

وللفراسة سببان:

أحدهما: جودة ذهن المتفرِّس، وحِدّة قلبه، وحسن فِطنته.

والثّاني: ظهور العلامات والأدلّة على المتفرَّس فيه.

فإذا اجتمع السّببان لم تكد تُخطئ للعبد فراسةٌ، وإذا انتفيا لم تكد تصحُّ له فراسةٌ، وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر كانت فراستُه بينَ بينَ.

وكان إياس بن معاوية من أعظم النّاس فراسةً، وله الوقائع المشهورة١. وكذلك الشّافعيُّ ﵀٢. وقيل: إنّ له فيها تواليف٣.

ولقد شاهدتُ من فراسة شيخ الإسلام ابن تيميّة أمورًا عجيبةً٤، وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم. ووقائُع فراسته تستدعي سِفرًا ضخمًا.

وأخبر أصحابَه بدخول التّتار الشّام سنة تسعٍ وتسعين وستِّمائةٍ، وأنّ

  1. (١) انظرها في «أخبار القضاة» لوكيع (١/ ٣٤٣ - ٣٧٤).
  2. (٢) انظر «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ١٣٠ - ١٣٧).
  3. (٣) قال الشافعي: خرجتُ إلى اليمن في طلب كتب الفراسة حتى كتبتُها وجمعتُها. انظر: «آداب الشافعي ومناقبه» لابن أبي حاتم (ص ١٢٩)، و«حلية الأولياء» (٩/ ١٤٤)، و«مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ١٣٤).
  4. (٤) «عجيبة» ليست في ش، د.
309

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي