مدارج السالكين

وكذلك نقد أهل الحديث، فإنّه يمرُّ بهم إسنادٌ ظاهرٌ كالشّمس على متنٍ مكذوبٍ، فيُخرِجه نقدهم كما يُخرِج الصّيرفيُّ الزّغلَ تحت الظّاهر من الفضّة.

وكذلك فراسة التّمييز بين الصّادق والكاذب في أقواله وأفعاله وأحواله.

وللفراسة سببان:

أحدهما: جودة ذهن المتفرِّس، وحِدّة قلبه، وحسن فِطنته.

والثّاني: ظهور العلامات والأدلّة على المتفرَّس فيه.

فإذا اجتمع السّببان لم تكد تُخطئ للعبد فراسةٌ، وإذا انتفيا لم تكد تصحُّ له فراسةٌ، وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر كانت فراستُه بينَ بينَ.

وكان إياس بن معاوية من أعظم النّاس فراسةً، وله الوقائع المشهورة١. وكذلك الشّافعيُّ ﵀٢. وقيل: إنّ له فيها تواليف٣.

ولقد شاهدتُ من فراسة شيخ الإسلام ابن تيميّة أمورًا عجيبةً٤، وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم. ووقائُع فراسته تستدعي سِفرًا ضخمًا.

وأخبر أصحابَه بدخول التّتار الشّام سنة تسعٍ وتسعين وستِّمائةٍ، وأنّ

  1. (١) انظرها في «أخبار القضاة» لوكيع (١/ ٣٤٣ - ٣٧٤).
  2. (٢) انظر «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ١٣٠ - ١٣٧).
  3. (٣) قال الشافعي: خرجتُ إلى اليمن في طلب كتب الفراسة حتى كتبتُها وجمعتُها. انظر: «آداب الشافعي ومناقبه» لابن أبي حاتم (ص ١٢٩)، و«حلية الأولياء» (٩/ ١٤٤)، و«مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ١٣٤).
  4. (٤) «عجيبة» ليست في ش، د.
309

جيوش المسلمين تُكْسَر، وأنّ دمشق لا يكون بها قتلٌ عامٌّ ولا سبيٌ عامٌّ، وأنّ كَلَب الجيش وحدّته في الأموال. هذا قبل أن يَهُمَّ التّتار بالحركة.

ثمّ أخبر النّاسَ والأمراءَ سنة اثنتين وسبعمائةٍ لمّا تحرّك التّتار وقصدوا الشّام: أنّ الدّائرة عليهم والهزيمة، والظّفر والنّصر للمسلمين. وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينًا. فيقال له: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا١. سمعته يقول ذلك. قال: فلمّا أكثروا عليَّ قلت: لا تُكثروا، كتب الله تعالى في اللّوح المحفوظ أنّهم مهزومون في هذه الكرّة، وأنّ النّصر لجيوش الإسلام. قال: وأطعمتُ بعضَ الأمراء والعسكر حلاوةَ النّصر قبل خروجهم إلى لقاء العدوِّ.

وكانت فراساته الجزئيّة في خلال هاتين الوقعتين مثل المطر.

ولمّا طُلِب إلى الدِّيار المصريّة وأُريد قتله ــ بعد أن أُنضِجت له القدور، وقُلِّبت له الأمور ــ اجتمع٢ أصحابه لوداعه، وقالوا: قد تواترت الكتب بأنّ القوم عاملون على قتلك. فقال: والله لا يَصِلُون إلى ذلك أبدًا. قالوا: فتُحْبَس؟ قال: نعم، ويطول حبسي، ثمّ أَخرُج وأتكلَّمُ بالسُّنّة على رؤوس المنابر. سمعته يقول ذلك.

ولمّا تولّى عدوُّه الملقّب بالمظفَّر الجاشَنْكير الملك أخبروه بذلك، وقالوا: الآن بلغ مراده منك. فسجد لله شكرًا وأطال. فقيل له: ما سببُ هذه

  1. (١) انظر: «البداية والنهاية» (١٨/ ٢٣، ٢٧)، و«الجامع لسيرة شيخ الإسلام» (ص ٣٢٣، ٣٣٥، ٤١٦).
  2. (٢) ل: «اجمع».
310

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي