مدارج السالكين

السّجدة؟ فقال: هذا بداية ذُلِّه، وفارقَه عزُّه من الآن، وقرُبَ زوالُ أمره. فقيل له: متى هذا؟ فقال: لا تُربَطُ خيولُ الجند على القُرْط١ حتّى تُقلَب دولته. فوقع الأمر مثلَ ما أخبر به٢. سمعت ذلك منه وعنه.

وقال مرّةً: يدخل عليَّ أصحابي وغيرهم، فأرى في وجوههم وأعينهم أمورًا لا أذكرها لهم. فقلتُ له أو غيري: لو أخبرتَهم؟ فقال: أتريدون أن أكون معرِّفًا كمعرّف الولاة؟

وقلت له يومًا: لو عاملْتَنا بذلك لكان أدعى إلى الاستقامة والصّلاح، فقال: لا تصبرون معي على ذلك جمعةً، أو قال: شهرًا.

وأخبرني غير مرّةٍ بأمورٍ باطنةٍ تختصُّ بي، ممّا عزمتُ عليه ولم ينطِقْ به لساني.

وأخبرني ببعض حوادثَ كبارٍ تجري في المستقبل، ولم يُعيِّن أوقاتَها. وقد رأيت بعضها وأنا أنتظر بقيّتها.

وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعافُ أضعافِ ما شاهدتُه.

  1. (١) يقال: قرَّط الفرسَ: وضع اللجام وراء أُذنِه عند الركض. والمقصود هنا تجهيز خيول الجند وخروجها لقتال الملك الناصر من قِبل الجاشنكير الذي لم يتم له ما أراد بسبب تخلِّي أنصاره عنه ونصرتهم للملك الناصر.
  2. (٢) انظر: «النجوم الزاهرة» (٨/ ٢٣٢ - ٢٧٦)، و«السلوك» للمقريزي (٢/ ٤٥ - ٧١، ٨٠)، ففيهما تفصيل ما جرى للجاشنكير الذي عادى الملكَ الناصر، وانتهى أمره بأن استسلم للناصر، فلما مثل بين يديه عاتبه الناصر على أمور بدرت منه، وكان في يد الناصر وَتَرٌ فطوَّقَ به عُنقَ الجاشنكير إلى أن خنقَه. وكانت مدة سلطنته عشرة أشهر وأربعة وعشرين يومًا. وكان يعادي شيخ الإسلام.
311

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀١: (الفراسة: استئناسُ حكمِ غيبٍ).

والاستئناس: استفعالٌ من آنستُ كذا، إذا رأيتَه. فإن أدركتَ بهذا الاستئناس حكمَ غيبٍ كان فراسةً. وإن كان بالعين كان رؤيةً، وإن كان بغيرها من المدارك فبحسَبِها.

قوله٢: (من غيرِ استدلالٍ بشاهدٍ).

الاستدلال بالشّاهد على الغائب أمرٌ مشتركٌ بين البرِّ والفاجر، والمؤمن والكافر، كالاستدلال بالبروق والرُّعود على الأمطار، وكاستدلال رؤساء البحر بالكَدَر الذي يبدو لهم في جانب الأفق على ريحٍ عاصفٍ ونحو ذلك، وكاستدلال الطّبيب بالسَّحْنَة٣ والتَّفْسِرة٤ على حال المريض، ويَدِقُّ ذلك حتّى يبلغ إلى حدٍّ يَعجِز عنه أكثرُ الأذهان. وكما يُستدلُّ بسيرة الرّجل وسيره على عاقبة أمره في الدُّنيا من خيرٍ أو شرٍّ، فيطابق أو يكاد.

فهذا خارجٌ عن الفراسة التي تتكلّم فيها هذه الطّائفة. وهو نوعُ فراسةٍ لكنّها غير فراستهم، وكذلك ما عُلِم بالتّجربة من مسائل الطِّبِّ والصِّناعات والفلاحة وغيرها.

  1. (١) (ص ٦٤).
  2. (٢) المصدر نفسه (ص ٦٤).
  3. (٣) السحنة: الهيئة والحال.
  4. (٤) التفسرة: مقدار من بول المريض يستدلُّ الطبيب بالنظر فيه على المرض.
312

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي