مدارج السالكين

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀١: (الفراسة: استئناسُ حكمِ غيبٍ).

والاستئناس: استفعالٌ من آنستُ كذا، إذا رأيتَه. فإن أدركتَ بهذا الاستئناس حكمَ غيبٍ كان فراسةً. وإن كان بالعين كان رؤيةً، وإن كان بغيرها من المدارك فبحسَبِها.

قوله٢: (من غيرِ استدلالٍ بشاهدٍ).

الاستدلال بالشّاهد على الغائب أمرٌ مشتركٌ بين البرِّ والفاجر، والمؤمن والكافر، كالاستدلال بالبروق والرُّعود على الأمطار، وكاستدلال رؤساء البحر بالكَدَر الذي يبدو لهم في جانب الأفق على ريحٍ عاصفٍ ونحو ذلك، وكاستدلال الطّبيب بالسَّحْنَة٣ والتَّفْسِرة٤ على حال المريض، ويَدِقُّ ذلك حتّى يبلغ إلى حدٍّ يَعجِز عنه أكثرُ الأذهان. وكما يُستدلُّ بسيرة الرّجل وسيره على عاقبة أمره في الدُّنيا من خيرٍ أو شرٍّ، فيطابق أو يكاد.

فهذا خارجٌ عن الفراسة التي تتكلّم فيها هذه الطّائفة. وهو نوعُ فراسةٍ لكنّها غير فراستهم، وكذلك ما عُلِم بالتّجربة من مسائل الطِّبِّ والصِّناعات والفلاحة وغيرها.

  1. (١) (ص ٦٤).
  2. (٢) المصدر نفسه (ص ٦٤).
  3. (٣) السحنة: الهيئة والحال.
  4. (٤) التفسرة: مقدار من بول المريض يستدلُّ الطبيب بالنظر فيه على المرض.
312

فصل

قال١: (وهي على ثلاث درجاتٍ. الأولى: فراسةٌ طارئةٌ نادرةٌ، تسقط على لسانٍ وحشيٍّ في العمر مرّةً، لحاجة سمْعِ مريدٍ صادقٍ إليها، لا يُوقَف على٢ مَخْرجِها، ولا يُؤبَه لصاحبها. وهذا شيءٌ لا يَخلُص٣ من الكهانة وما ضَاهاها، لأنّها لم تَسر٤ عن عينٍ، ولم تَصدُرْ عن علمٍ، ولم تُسْبَقْ بوجودٍ).

يريد بهذا النّوع: فراسةً تجري على ألسنة الغافلين، الذين ليست لهم يقظة أرباب القلوب، فلذلك قال: (طارئةٌ نادرةٌ تسقط على لسانٍ وحشيٍّ). واللسان الوحشي: الذي لم يأنَسْ بذكر الله، ولا اطمأنّ إليه قلبُ صاحبه، فيسقطُ على لسانه مكاشفةٌ في العمر مرّةً. وذلك نادرٌ، ورميةٌ من غيرِ رامٍ.

وقوله: (لحاجة مريدٍ صادقٍ).

يشير إلى حكمة إجرائها على لسانه، وهي حاجة المريد الصّادق إليها. فإذا سمعها على لسان غيره كان أشدَّ تنبيهًا له، وكانت عنده أعظمَ موقعًا.

وقوله: (لا يُوقَف على مَخرَجِها).

يعني: لا يَعلَم الشّخصُ الذي وصلتْ إليه واتّصلتْ به ما سبب مخرج ذلك الكلام؟ وإنّما سمِعَه مقتطعًا ممّا قبله وممّا هيَّجَه٥.

  1. (١) «المنازل» (ص ٦٤).
  2. (٢) ش، د: «عن».
  3. (٣) ش: «لا يخدمن».
  4. (٤) كذا في النسخ بالسين المهملة. وفي «المنازل»: «لم تشر».
  5. (٥) كذا في النسخ. وفي هامش ل: «لعله: ومما بعده».
313

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي