مدارج السالكين

فصل

قال١: (وهي على ثلاث درجاتٍ. الأولى: فراسةٌ طارئةٌ نادرةٌ، تسقط على لسانٍ وحشيٍّ في العمر مرّةً، لحاجة سمْعِ مريدٍ صادقٍ إليها، لا يُوقَف على٢ مَخْرجِها، ولا يُؤبَه لصاحبها. وهذا شيءٌ لا يَخلُص٣ من الكهانة وما ضَاهاها، لأنّها لم تَسر٤ عن عينٍ، ولم تَصدُرْ عن علمٍ، ولم تُسْبَقْ بوجودٍ).

يريد بهذا النّوع: فراسةً تجري على ألسنة الغافلين، الذين ليست لهم يقظة أرباب القلوب، فلذلك قال: (طارئةٌ نادرةٌ تسقط على لسانٍ وحشيٍّ). واللسان الوحشي: الذي لم يأنَسْ بذكر الله، ولا اطمأنّ إليه قلبُ صاحبه، فيسقطُ على لسانه مكاشفةٌ في العمر مرّةً. وذلك نادرٌ، ورميةٌ من غيرِ رامٍ.

وقوله: (لحاجة مريدٍ صادقٍ).

يشير إلى حكمة إجرائها على لسانه، وهي حاجة المريد الصّادق إليها. فإذا سمعها على لسان غيره كان أشدَّ تنبيهًا له، وكانت عنده أعظمَ موقعًا.

وقوله: (لا يُوقَف على مَخرَجِها).

يعني: لا يَعلَم الشّخصُ الذي وصلتْ إليه واتّصلتْ به ما سبب مخرج ذلك الكلام؟ وإنّما سمِعَه مقتطعًا ممّا قبله وممّا هيَّجَه٥.

  1. (١) «المنازل» (ص ٦٤).
  2. (٢) ش، د: «عن».
  3. (٣) ش: «لا يخدمن».
  4. (٤) كذا في النسخ بالسين المهملة. وفي «المنازل»: «لم تشر».
  5. (٥) كذا في النسخ. وفي هامش ل: «لعله: ومما بعده».
313

(ولا يُؤبَه لصاحبها).

لأنّه ليس هنالك١ قلبٌ. وهذا من جنس الفأل، وكان رسول الله ﷺ يُحِبُّ الفأل ويُعجِبه٢. والطِّيرة من هذا، ولكنّ المؤمن لا يَتطيَّر، فإنّ الطِّيَرة شركٌ، ولا يَصُدّه ما سمع عن مقصده وحاجته، وليتوكَّل على الله ويثق به، ويدفع شرّ التّطيُّر عنه بالتّوكُّل.

وفي «الصحيح»٣ عن ابن مسعودٍ ﵁ عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: «الطِّيرة شركٌ، وما منّا إلّا، ولكنَّ الله يُذهِبه بالتّوكُّل».

وهذه الزِّيادة ــ وهي قوله: «وما منّا إلّا» ــ يعني من يَعترِيه، ولكن يدفعها بالتّوكُّل ــ مدرجةٌ في الحديث من قول ابن مسعودٍ. جاء ذلك مبيّنًا٤.

ومن له يَقَظةٌ يرى ويسمع من ذلك عجائبَ، وهي من إلقاء الملَك تارةً على لسان النّاطق، وتارةً من إلقاء الشّيطان. فالإلقاء الملَكيُّ تبشيرٌ وتحذيرٌ

  1. (١) ش، د: «هناك».
  2. (٢) كما في حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري (٥٧٥٥) ومسلم (٢٢٢٣)، وفي حديث أنس بن مالك الذي أخرجه البخاري (٥٧٥٦) ومسلم (٢٢٢٤).
  3. (٣) لم يروِه البخاري ومسلم. وقد أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٩٠٩)، وأبو داود (٣٩١٠)، والترمذي (١٦١٤)، وابن ماجه (٣٥٣٨)، وأحمد (٣٦٨٧، ٤١٧١). وإسناده صحيح، وصححه الترمذي وابن حبان (٦١٢٢).
  4. (٤) قال الحافظ في «الفتح» (١٠/ ٢١٣): قوله: «وما منا إلَّا» من كلام ابن مسعود أُدرج في الخبر، وقد بيَّنه سليمان بن حرب شيخ البخاري فيما حكاه الترمذي عن البخاري عنه. أما الألباني فقال في «الصحيحة» (٤٢٩): لا حجة هنا في الإدراج، فالحديث صحيح بكامله.
314

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي