مدارج السالكين

(ولا يُؤبَه لصاحبها).

لأنّه ليس هنالك١ قلبٌ. وهذا من جنس الفأل، وكان رسول الله ﷺ يُحِبُّ الفأل ويُعجِبه٢. والطِّيرة من هذا، ولكنّ المؤمن لا يَتطيَّر، فإنّ الطِّيَرة شركٌ، ولا يَصُدّه ما سمع عن مقصده وحاجته، وليتوكَّل على الله ويثق به، ويدفع شرّ التّطيُّر عنه بالتّوكُّل.

وفي «الصحيح»٣ عن ابن مسعودٍ ﵁ عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: «الطِّيرة شركٌ، وما منّا إلّا، ولكنَّ الله يُذهِبه بالتّوكُّل».

وهذه الزِّيادة ــ وهي قوله: «وما منّا إلّا» ــ يعني من يَعترِيه، ولكن يدفعها بالتّوكُّل ــ مدرجةٌ في الحديث من قول ابن مسعودٍ. جاء ذلك مبيّنًا٤.

ومن له يَقَظةٌ يرى ويسمع من ذلك عجائبَ، وهي من إلقاء الملَك تارةً على لسان النّاطق، وتارةً من إلقاء الشّيطان. فالإلقاء الملَكيُّ تبشيرٌ وتحذيرٌ

  1. (١) ش، د: «هناك».
  2. (٢) كما في حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري (٥٧٥٥) ومسلم (٢٢٢٣)، وفي حديث أنس بن مالك الذي أخرجه البخاري (٥٧٥٦) ومسلم (٢٢٢٤).
  3. (٣) لم يروِه البخاري ومسلم. وقد أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٩٠٩)، وأبو داود (٣٩١٠)، والترمذي (١٦١٤)، وابن ماجه (٣٥٣٨)، وأحمد (٣٦٨٧، ٤١٧١). وإسناده صحيح، وصححه الترمذي وابن حبان (٦١٢٢).
  4. (٤) قال الحافظ في «الفتح» (١٠/ ٢١٣): قوله: «وما منا إلَّا» من كلام ابن مسعود أُدرج في الخبر، وقد بيَّنه سليمان بن حرب شيخ البخاري فيما حكاه الترمذي عن البخاري عنه. أما الألباني فقال في «الصحيحة» (٤٢٩): لا حجة هنا في الإدراج، فالحديث صحيح بكامله.
314

وإنذارٌ، والإلقاء الشّيطانيُّ تحزينٌ وتخويفٌ وشركٌ وصَدٌّ عن المطالب.

وصاحب الهمّة والعزيمة لا يتقيّد بذلك، ولا يَصرِف إليها همّتَه، وإذا سمع ما يَسُرُّه استبشر، وقوِيَ رجاؤه، وحسُنَ ظنُّه، وحمِد الله، وسأله إتمامَه، واستعان به على حصوله. وإذا سمع ما يسوؤه استعاذ بالله، ووثِقَ به، وتوكَّلَ عليه، والتجأ إلى التّوحيد، وقال: «اللهمّ لا طَيْرَ إلّا طيرُك، ولا خيرَ إلّا خيرُك، ولا إلَه غيرُك»١. «اللهمَّ لا يأتي بالحسنات إلّا أنت، ولا يَذهب بالسّيِّئات إلّا أنت، ولا حولَ ولا قوّة إلّا بك»٢.

ومن جعل هذا نُصْبَ قلبه، وعلَّق به همَّته، كان ضرره به أكثر من نفعه.

قوله: (وهذا شيءٌ لا يَخلُص من الكهانة).

يعني: أنّه من جنس الكهانة. وأحوال الكهّان معلومةٌ قديمًا وحديثًا في إخبارهم عن نوعٍ من المغيَّبات بواسطة إخوانهم من الشّياطين الذين يُلْقون إليهم السّمعَ، ولم يزل هؤلاء في الوجود، ويكثُرون في الأزمنة والأمكنة التي

  1. (١) كما في الحديث الذي أخرجه أحمد (٧٠٤٥)، وابن وهب في «جامعه» (١/ ١١٠)، وابن السنّي في «عمل اليوم والليلة» (٢٩٣)، والطبراني في «الكبير» (١٤٦٢٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا. وإسناده حسن، وفيه عبد الله بن لهيعة وإن كان ضعيفًا قد رواه عنه عبد الله بن وهب، وهو صحيح السماع منه. وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٠٦٥).
  2. (٢) كما في الحديث الذي أخرجه أبو داود (٣٩١٩) من حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن عامر مرفوعًا. وحبيب كثير التدليس، ولم يصرِّح بالتحديث. وعروة بن عامر ذكره ابن حبان في «الثقات» (٥/ ١٩٥) ضمن التابعين، فالحديث مرسل. وقيل: له صحبة. انظر: «الإصابة» (٧/ ١٥٤).
315

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي