مدارج السالكين

وإنذارٌ، والإلقاء الشّيطانيُّ تحزينٌ وتخويفٌ وشركٌ وصَدٌّ عن المطالب.

وصاحب الهمّة والعزيمة لا يتقيّد بذلك، ولا يَصرِف إليها همّتَه، وإذا سمع ما يَسُرُّه استبشر، وقوِيَ رجاؤه، وحسُنَ ظنُّه، وحمِد الله، وسأله إتمامَه، واستعان به على حصوله. وإذا سمع ما يسوؤه استعاذ بالله، ووثِقَ به، وتوكَّلَ عليه، والتجأ إلى التّوحيد، وقال: «اللهمّ لا طَيْرَ إلّا طيرُك، ولا خيرَ إلّا خيرُك، ولا إلَه غيرُك»١. «اللهمَّ لا يأتي بالحسنات إلّا أنت، ولا يَذهب بالسّيِّئات إلّا أنت، ولا حولَ ولا قوّة إلّا بك»٢.

ومن جعل هذا نُصْبَ قلبه، وعلَّق به همَّته، كان ضرره به أكثر من نفعه.

قوله: (وهذا شيءٌ لا يَخلُص من الكهانة).

يعني: أنّه من جنس الكهانة. وأحوال الكهّان معلومةٌ قديمًا وحديثًا في إخبارهم عن نوعٍ من المغيَّبات بواسطة إخوانهم من الشّياطين الذين يُلْقون إليهم السّمعَ، ولم يزل هؤلاء في الوجود، ويكثُرون في الأزمنة والأمكنة التي

  1. (١) كما في الحديث الذي أخرجه أحمد (٧٠٤٥)، وابن وهب في «جامعه» (١/ ١١٠)، وابن السنّي في «عمل اليوم والليلة» (٢٩٣)، والطبراني في «الكبير» (١٤٦٢٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا. وإسناده حسن، وفيه عبد الله بن لهيعة وإن كان ضعيفًا قد رواه عنه عبد الله بن وهب، وهو صحيح السماع منه. وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٠٦٥).
  2. (٢) كما في الحديث الذي أخرجه أبو داود (٣٩١٩) من حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن عامر مرفوعًا. وحبيب كثير التدليس، ولم يصرِّح بالتحديث. وعروة بن عامر ذكره ابن حبان في «الثقات» (٥/ ١٩٥) ضمن التابعين، فالحديث مرسل. وقيل: له صحبة. انظر: «الإصابة» (٧/ ١٥٤).
315

يخفى فيها نور النُّبوّة. ولذلك كانوا أكثرَ ما كانوا في زمن الجاهليّة، وكلُّ زمانِ جاهليّةٍ١ وبلد جاهليّةٍ وطائفة جاهليّةٍ فلهم نصيبٌ منها، بحسب اقتران الشّياطين بهم٢، وطاعتهم لهم، وعبادتهم إيّاهم.

وقوله: (وما ضاهاها).

أي وما شابهها من جنس الخطِّ بالرَّمْل، وضربِ الحصا، وزجْرِ الطّير الذي يسمُّونه السّانح والبارح، والقرعة الشِّركيّة لا الشّرعيّة، والاستقسام بالأزلام، وغير ذلك ممّا تتعلّق به النُّفوس الجاهليّة المشركة التي عاقبةُ أمرِها خُسْرٌ وبَوارٌ.

قوله: (لأنّها لم تسر عن عينٍ).

أي عن عين الحقيقة التي لا يصدُر عنها إلّا حقٌّ. يعني: هي غير متّصلةٍ بالله.

قوله: (ولم تَصدُر عن علمٍ).

يعني أنّها عن ظنٍّ وحسبانٍ، لا عن علمٍ ويقينٍ. وصاحبها دائمًا في شكٍّ، ليس على بصيرةٍ من أمره.

وقوله: (ولم تُسْبَقْ بوجودٍ).

أي لم يَسبِقْها وجود الحقيقة لصاحبها، بل هو فارغٌ من غيرِ٣ واجدٍ، بل فاقدٌ من غير أهل الشهود.

  1. (١) «وكل زمان جاهلية» ساقطة من ش، د.
  2. (٢) ل: «لهم».
  3. (٣) ل: «نوعين». وكتب فوقها «كذا». والكلمة غير محررة في ش. وفي المطبوع: «بوٌّ غير» ولا معنى لها هنا. وأثبتُّ ما استظهرت من الرسم، ويؤيِّده السياق.
316

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي