مدارج السالكين

مصطنعٍ تصريحًا أو رمزًا).

يحتمل لفظ «السّريّة» وجهين:

أحدهما: الشّرف، أي فراسةٌ شريفةٌ، فإنّ الرّجل السَّرِيّ هو الرّجل الشّريف، وجمعه سَراةٌ، ومنه ــ في أحد التّأويلين١ ــ قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] أي سيِّدًا مطاعًا، وهو المسيح. وعلى هذا يكون «سَرِيّةٌ» بوزن شَريفةٍ.

والثّاني: أن يكون من السِّرِّ، أي فراسةٌ متعلِّقةٌ بالأسرار لا بالظّواهر، فيكون «سِرِّيَّةٌ» بوزن شِرِّيبةٍ ومِكِّيثةٍ.

قوله: (لم تَجتلِبْها رَوِيّةٌ).

أي لا تكون عن فكرةٍ، بل تَهْجُم على القلب هجومًا لا يُعرَف سببه.

قوله: (على لسانٍ مصطنعٍ)، أي مختارٍ مصطفًى على غيره.

(تصريحًا أو رمزًا)، يعني أنّ هذا المختار المصطفى يُخبِر بهذه الفراسة العالية عن أمورٍ مغيّبةٍ، تارةً بالتّصريح، وتارةً بالتّلويح، إمّا سترًا لحاله، وإمّا صيانةً لما أخبر به عن الابتذالِ ووصولهِ إلى غير أهله، وإمّا لغير ذلك من الأسباب. والله أعلم.

  1. (١) والثاني أنه النهر الصغير. انظر التأويلين في «تفسير الطبري» (١٥/ ٥٠٦ وما بعدها)، و«زاد المسير» (٥/ ٢٢٢) وغيرهما.
318

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة التّعظيم.

وهذه المنزلة تابعةٌ للمعرفة. فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرّبِّ تعالى في القلب، وأعرفُ النّاس به أشدُّهم له تعظيمًا وإجلالًا. وقد ذمّ الله من لم يُعظِّمه حقَّ عظمته، ولا عرفوه حقَّ معرفته، ولا وصفوه حقَّ صفته. وأقوالهم تدور على هذا.

وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]. قال ابن عبّاسٍ ومجاهدٌ: لا ترجون لله عظمةً. وقال سعيد بن جبيرٍ: ما لكم لا تعظِّمون الله حقّ عظمته؟ وقال الكلبيُّ: لا تخافون لله عظمةً١.

قال البغويُّ ﵀٢: والرّجاء بمعنى الخوف. والوقار: العظمة، اسمٌ من التّوقير، وهو التّعظيم. وقال الحسن: لا يعرفون لله حقًّا، ولا يشكرون له نعمةً. وقال ابن كيسان ﵀: لا ترجون في عبادة الله أن يثيبكم على توقيركم إيّاه خيرًا.

وروحُ العبادة هو الإجلال والمحبّة، فإذا خَلا أحدهما عن الآخر فسدت العبودية. فإذا اقترن بهذين الثّناءُ على المحبوب المعظّم فذلك حقيقة الحمد.

  1. (١) نقل المؤلف هذه الأقوال من «تفسير البغوي» (٤/ ٣٩٨). وانظر: «الدر المنثور» (١٤/ ٧٠٧، ٧٠٨)، و«زاد المسير» (٨/ ٣٧٠).
  2. (٢) في «تفسيره» (٤/ ٣٩٨).
319

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي