مدارج السالكين

أو سعى بين الصّفا والمروة عشرًا، ونحو ذلك عمدًا.

وغلوٌّ يُخاف منه الانقطاع والاستحسار. كقيام اللّيل كلِّه، وسرد الصِّيامِ الدّهْرَ أجمعَ بدون صوم أيّام النّهي، والجور على النُّفوس في العبادات والأوراد، الذي قال فيه النّبيُّ ﷺ: «إنّ الدِّين يُسْرٌ، ولن يُشَادَّ الدِّينَ أحدٌ إلّا غَلَبه، فسَدِّدوا وقَارِبوا وأبشِروا، واستعينوا بالغَدوة والرَّوحة وشيءٍ من الدُّلْجَة»١. يعني: استعينوا على طاعة الله بالأعمال في هذه الأوقات الثّلاثة، فإنّ المسافر يستعين على قَطْع مسافة السّفر بالسَّير فيها.

وقال: «لِيُصَلِّ أحدُكم نشاطَه، فإذا فَتَر فلْيَرْقُدْ». رواهما البخاريُّ٢.

وفي «صحيح مسلم»٣ عنه: «هَلَكَ المتنطِّعون». قالها ثلاثًا. وهم المتعمِّقون المتشدِّدون.

وفي «صحيح البخاري»٤ عنه: «عليكم من الأعمال بما تُطيقون، فوالله لا يَمَلُّ الله حتّى تَمَلُّوا».

وفي «السُّنن»٥ عنه: «إنّ هذا الدِّين مَتِينٌ، فأوغِلْ فيه برِفقٍ، ولا تُبَغِّضْ

  1. (١) أخرجه البخاري (٣٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) رقم (١١٥٠) عن أنس بن مالك ﵁. وأخرجه أيضًا مسلم (٧٨٤). وفيهما: «فليقعُدْ» بدل «فليرقد». وفي حديث عائشة ﵄ عند البخاري (٢١٢) ومسلم (٧٨٦): «إذا نعسَ أحدكم وهو يصلي فليرقد، حتى يذهب عنه النوم».
  3. (٣) رقم (٢٦٧٠) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
  4. (٤) رقم (٤٣، ١١٥١) من حديث عائشة ﵂.
  5. (٥) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ١٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا. وفي إسناده مولى عمر بن عبد العزيز لا يعرف. وعبد الله بن صالح كاتب الليث سيئ الحفظ. وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١٣٣٤) عن عبد الله بن عمرو موقوفًا. وله شاهد من حديث أنس في «زوائد المسند» (١٣٠٥٢)، انظر تعليق المحققين عليه.
321

إلى نفسِك عبادةَ الله». أو كما قال.

وأما قوله: «ولا يُحمَلا على علّةٍ١ تُوهِنُ الانقياد».

يريد: أن لا يتأوّل في الأمر والنّهي علّةً تعود عليه بالإبطال، كما تأوّل بعضهم تحريم الخمر بأنّه معلَّلٌ بإيقاع العداوة والبغضاء والتّعرُّضِ للفساد، فإذا أُمِنَ هذا المحذورُ منه أجاز شربَه. كما قيل٢:

أَدِرْها فما التّحريمُ فيها لِذاتِهاولكن لأسبابٍ تضمَّنَها السُّكْرُ
إذا لم يكن سكرٌ يُضِلُّ عن الهدىفِسيَّانِ ماءٌ في الزُّجاجة أم خَمْرُ

وقد بلغ هذا بأقوامٍ إلى الانسلاخ من الدِّين جملةً. وقد حمل طائفةٌ من العلماء أن جعلوا تحريمَ ما عدا شراب العنب معلَّلًا بالإسكار، فله أن يشرب منه ما لم يُسكِر.

ومن العلل التي تُوهِن الانقياد: أن يُعلِّل الحكمَ بعلّةٍ ضعيفةٍ لم تكن هي الباعثة عليه في نفس الأمر، فيضعُف انقيادُه إذا قام عنده أنّ هذه هي علّة الحكم. ولهذا طريقةُ القوم عدمُ التّعرُّض لعللِ التّكاليف خشيةَ هذا المحذور.

  1. (١) ش، د: «ولا يحملا عليه».
  2. (٢) البيتان بلا نسبة في «المعجب في تلخيص أخبار المغرب» (ص ٢١٩). والثاني في «الغيث المسجم» (٢/ ٤٦٢).
322

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي