وفي بعض الآثار القديمة١: «يا بني إسرائيل، لا تقولوا: لِمَ أمرَ ربُّنا؟ ولكن قولوا: بِمَ أمرَ ربُّنا؟».
وأيضًا، فإنّه إذا لم يمتثل الأمر حتّى تظهر له علّته٢ لم يكن منقادًا للأمر، وأقلُّ درجاته أن يضعُفَ انقياده له.
وأيضًا، فإنّه إذا نظر إلى حكمة العبادات والتّكاليف مثلًا، وجعلَ العلّة فيها هي جمعيّة القلب والإقبال به على الله، فقال: أنا أشتغل بالمقصود عن الوسيلة، فاشتغلَ بجمعيَّتِه وخَلْوتِه عن أوراد العبادات، فعطّلها وتركَ الانقيادَ بحمِله للأمر على العلّة التي أوهنَتْ انقيادَه.
وكلُّ هذا من ترْكِ تعظيمِ الأمر٣ والنّهي. وقد دخل من هذا الفساد على كثيرٍ من الطّوائف مَا لا يعلمه إلّا الله، فما يَدرِي ما أوهنَتِ العللُ الفاسدة من الانقيادِ إلّا الله. فكم عَطَّلتْ لله من أمرٍ، وأباحتْ من نهيٍ، وحرَّمتْ من مباحٍ؟! وهي التي اتّفقت كلمةُ السّلف على ذمِّها.
فصل
قال٤: (الدّرجة الثّانية: تعظيم الحكم: أن يُبغى٥ له عِوجٌ، أو يُدافَع بعلمٍ، أو يُرضى بعوضٍ).
(١) عزاه المؤلف في «الصواعق المرسلة» (٤/ ١٥٦١) إلى «الإنجيل». ولم أجده فيما بين يديّ من المصادر.
(٢) ل: «علة».
(٣) ل: «التعظيم للأمر».
(٤) «المنازل» (ص ٦٥).
(٥) ل: «يبتغى».
الدّرجة الأولى تتضمّن تعظيمَ الحكم الدِّينيِّ الشّرعيِّ، وهذه الدّرجة تتضمّن تعظيم الحكم الكونيِّ القدريِّ، وهو الذي يخصُّه المصنِّف باسم الحكم. وكما يجب على العبد يَرعى١ حكمَ الله الدِّينيّ بالتّعظيم، فكذلك يرعى حكمه الكونيّ به، فذكرَ من تعظيمه ثلاثة أشياء:
أحدها: أن لا يُبغى له عِوَجٌ، أي يُطلَب له عوجٌ، أو يُرى فيه عوجٌ. بل يُرْى كلُّه مستقيمًا، لأنّه صادرٌ عن عين الحكمة، فلا عِوَجَ فيه. وهذا موضعٌ أشكلَ على النّاس جدًّا.
فقالت نفاة القدر: ما في خلْقِ الرّحمن من تفاوتٍ ولا عِوَجٍ، والكفرُ والمعاصي مشتملةٌ على أعظم التّفاوت والعوج، فليست بخلْقه ولا مشيئتِه ولا قدره.
وقالت فرقةٌ تقابلهم: بل هي من خلْق الرّحمن وقدره، فلا عِوَج فيها. وكلُّ ما في الوجود مستقيمٌ.
والطّائفتان ضالّتان، منحرفتان عن الهدى. وهذه الثّانية أشدُّ انحرافًا، لأنّها جعلت الكفر والمعاصي مستقيمًا لا عِوجَ فيه. وعدمُ تفريق الطّائفتين بين القضاء والمقضيِّ، والحكم والمحكوم به: هو الذي أوقعَهم فيما أوقعهم فيه.
وقول سلف الأمّة وجمهورها: إنّ القضاء غير المقضيِّ، فالقضاء فِعلُه ومشيئته وما قام به، والمقضيُّ مفعوله المباين له المنفصل عنه، وهو