المشتمل على الخير والشّرِّ والعوج والاستقامة. فقضاؤه كلُّه حقٌّ، والمقضيُّ: منه حقٌّ، ومنه باطلٌ. وقضاؤه كلُّه عدلٌ، والمقضيُّ: منه عدلٌ وجورٌ. وقضاؤه كلُّه مرضيٌّ، والمقضيُّ: منه مرضيٌّ، ومنه مسخوطٌ. وقضاؤه مسالمٌ، والمقضيُّ: منه ما يسالم، ومنه ما يحارب.
وهذا أصلٌ١ عظيمٌ تجب مراعاته، وهو موضع مَزلَّة أقدامٍ كما رأيت، والمنحرف عنه: إمّا جاحدٌ للحكمة، أو للقدرة، أو للأمر والشّرع ولا بدّ. وعلى هذا يُحمل كلام صاحب «المنازل» ﵀، أي: لا يُبتغى للحكم عِوجٌ.
وأمّا قوله: «أو يُدافَع بعلمٍ»، فأشكلُ من الأوّل، فإنّ العلم مقدّمٌ على القدر وحاكمٌ عليه، ولا يجوز دفع العلم بالحكم.
فأحسنُ ما يُحمل عليه كلامه أن يقال: قضاء الله وقدره وحكمه الكونيُّ لا يناقض دينَه وشرعه وحكمه الدِّينيّ٢، بحيث تقع المدافعةُ بينهما. لأنّ هذا مشيئته الكونيّة، وهذا إرادته٣ الدِّينيّة. وإن كان المرادان قد يتدافعان ويتعارضان، لكن من تعظيم كلٍّ منهما: أن لا يُدافَع بالآخر ويُعارَض، فإنّهما وصفان للرّبِّ تعالى، وأوصافه لا يُدفَع بعضها ببعضٍ، وإن استُعِيذ ببعضها من بعضٍ، فالكلُّ منه سبحانه. وهو المعيذ من نفسه بنفسه، كما قال أعلم الخلق به: «أعوذ برضاك من سَخَطِك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك
(١) د: «أمر». وصحح في الهامش.
(٢) د: «التديني».
(٣) ل: «إرادة».
منك»١. فرِضاه ــ وإن أعاذ من سَخَطه ــ فإنّه لا يُبطِله ويدفعه، وإنّما يدفع تعلُّقَه بالمستعيذ، وتعلُّقُه بأعدائه باقٍ غير زائلٍ. فهكذا أمره وقدره سواءٌ، فإنّ أمره لا يُبطِل قدرَه، ولا قدرُه يُبطِل أمرَه. ولكن يُدفَع ما قضاه وقدَّره بما أَمر به وأحبّه، وهو أيضًا من قضائه. فما دُفِع قضاؤه إلّا بقضائه وأمرِه. فلم يَدفع العلمُ الحكمَ بل المحكومَ به، والعلمُ والحكمُ دفعا المحكومَ به الذي قُدِّر دفعُه وأُمِر به.
فتأمّلْ هذا، فإنّه محض العبوديّة والمعرفة، والإيمان بالقدر، والاستسلام له، والقيام بالأمر، والتّنفيذ له بالقدر، فما نفَّذَ المطيعُ أمرَ الله إلّا بقدر الله، ولا دفعَ مقدورَ الله إلا بقدر الله وأمره.
وأمّا قوله: (ولا يرضى بعوضٍ)، أي أنّ صاحب مشهد الحكم قد وصل إلى حدٍّ لا يَتطلَّب معه عوضًا، ولا يكون ممّن يعبد الله بالعوض، فإنّه يشاهد جريانَ حكمِ الله عليه، وعدمَ تصرُّفه في نفسه، وأنّ المتصرِّف فيه حقًّا مالكُه الحقُّ، فهو الذي يُقيمه ويُقعِده، ويُقلِّبه ذات اليمين وذات الشِّمال. وإنّما يطلب العوضَ من غاب عن الحكم وذَهل عنه، وذلك منافٍ لتعظيمه. فمن تعظيمه: أن لا يرضى العبد بعوضٍ يطلبه بعمله٢، لأنّ مشاهدة الحكم وتعظيمه يمنعه أن يرى لنفسه ما يعاوض عليه.
فهذا الذي يمكن حملُ كلامه عليه من غير خروجٍ عن حقيقة الأمر. والله أعلم.
(١) «منك» ليست في ش. وهذا الدعاء رواه مسلم (٤٨٦) من حديث عائشة ﵂. وفيه «بمعافاتك» بدل «بعفوك». وقد تقدم.