مدارج السالكين

وكذلك اسمه١ "الحكيم" من لوازمه: ثبوتُ الغايات المحمودة المقصودة له بأفعاله، ووضعُه الأشياء في موضعها، وإيقاعُها على أحسن الوجوه. فإنكارُ ذلك إنكارٌ لهذا الاسم ولوازمه.

وكذلك سائر أسمائه الحسنى.

فصل

إذا تقرَّر هذان الأصلان، فاسم "الله" دالٌّ على جميع الأسماء الحسنى والصِّفات العُلى بالدِّلالات الثّلاث. فإنّه دالٌّ على الإلهيَّة المتضمِّنة لثبوت صفات الإلهيّة له مع نفي أضدادها عنه. وصفات الإلهيّة هي صفات الكمال المنزَّهة عن التّشبيه والمثال وعن العيوب والنّقائص، ولهذا يضيف تعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم المعظَّم، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ويقال: الرّحمن، والرّحيم، والقدُّوس، والسّلام، والعزيز، والحكيم= من أسماء الله. ولا يقال: الله٢ من أسماء الرّحمن، ومن أسماء العزيز، ونحو ذلك.

فعُلِمَ أنّ اسمه "الله" مستلزمٌ لجميع معاني الأسماء الحسنى، دالًّا عليها بالإجمال. والأسماء الحسنى تفصيلٌ وتبيينٌ لصفات الإلهيّة التي اشتقّ منها اسم "الله". واسمُ "الله" دالٌّ على كونه مألوهًا معبودًا، تَألَهُه٣ الخلائق محبّةً

  1. (١) ع: "اسم".
  2. (٢) "ولا يقال: الله" من ع وحدها. وهو ساقط من النسخ الأُخر لانتقال النظر. وقد زيد في هامش ش بعد "أسماء الله": "ولا يقال". وفي م: " ... والحكيم من أسماء الرحمن"، فصححت العبارة في هامشها كما ورد في ش.
  3. (٣) ش: "أَلِهَه"، وكان نحوه في الأصل مع فتح الهاء، ثم زيد "تأ" فوقه. وكذا كان في م، فكتب بعضهم في هامشها: "لعله يألهه".
49

وتعظيمًا وخضوعًا، ومفزعًا إليه في الحوائج والنّوائب. وذلك مستلزمٌ لكمال ربوبيّته ورحمته المتضمِّنتين١ لكمال الملك والحمد. وإلهيّتُه٢ وربوبيّتُه ورحمانيّتُه وملكُه مستلزمٌ لجميع صفات كماله، إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحيٍّ ولا سميعٍ ولا بصيرٍ ولا قادرٍ ولا متكلِّمٍ، ولا فعّالٍ لما يريد، ولا حكيمٍ في أفعاله.

فصفات الجلال والجمال أخصُّ٣ باسم "الله". وصفات الفعل والقدرة، والتّفرُّد بالضَّرِّ والنّفع والعطاء والمنع، ونفوذ المشيئة وكمال القوّة، وتدبير أمر الخليقة= أخصُّ باسم "الرّبِّ".

وصفات الإحسان والجود والبرِّ والحنان والرّأفة واللُّطف= أخصُّ باسم "الرّحمن". وكُرِّرَ٤ إيذانًا بثبوت الوصف، وحصول أثره، وتعلُّقه بمتعلَّقاته.

فـ"الرَّحمن": الذي الرَّحمةُ وصفُه، و"الرَّحيم": الرَّاحم لعباده. ولهذا يقول تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]. ولم يجئ: رحمانُ بعباده، ولا رحمانُ بالمؤمنين، مع ما في اسم "الرَّحمن" الذي هو على وزن فعلان من سعة هذا الوصف وثبوت جميع معناه للموصوف به. ألا ترى أنّهم يقولون: غضبان، للممتلئ غضبًا،

  1. (١) ما عدا ش، ع: "المتضمنين".
  2. (٢) رسمه في الأصل: "والهيبة" وهو سبق قلم، ولكن كذا نقل في م، ج أيضًا.
  3. (٣) رسمها في الأصل هنا وفيما يأتي: "اختص"، وأخشى أن يكون مغيَّرًا.
  4. (٤) يعني في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
50

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي