قال صاحب «المنازل» ﵀١: (السّكينة: اسمٌ لثلاثة أشياء. أوّلها: سكينة بني إسرائيل التي أُعْطُوها في التّابوت. قال أهل التّفسير: هي رِيحٌ هَفّافةٌ، وذكروا صفتها).
قلت: اختلفوا: هل هي عينٌ قائمةٌ بنفسها أو معنًى؟ على قولين.
أحدهما: أنّها عينٌ. ثمّ اختلف أصحاب هذا القول في صفتها٢:
فرُوِي عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ أنّها ريحٌ هَفَّافةٌ، لها رأسان ووجهٌ كوجه الإنسان٣.
ويُروى عن مجاهدٍ: على صورة هرّةٍ لها جناحان٤.
و[قيل: له]٥ عينان لهما شعاعٌ، وجناحاها من زمرُّدٍ وزبرجدٍ، فإذا سمعوا صوتَها أيقنوا بالنّصر٦.
(٤) رواه الطبري (٤/ ٤٦٨، ٤٦٩)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٢/ ٤٦٩)، والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٦٨).
(٥) زيادة من «تفسير البغوي» مصدر المؤلف، ليتميز قول مجاهد عن غيره.
(٦) رواه ابن أبي حاتم (٢/ ٤٦٨) عن ابن عباس ﵄.
وعن ابن عبّاسٍ: هي طَسْتٌ من ذهبٍ من الجنّة، كان يُغسَل فيه قلوب الأنبياء١.
وعن وهب: هي روحٌ من روح الله يتكلّم، إذا اختلفوا في شيءٍ أخبرهم ببيان ما يريدون٢.
والثّاني: أنّها معنًى. ويكون معنى قوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾[البقرة: ٢٤٨] أي: في مجيئه إليكم سكينةٌ لكم وطمأنينةٌ.
وعلى الأوّل يكون المعنى: أنّ السّكينة في نفس التّابوت. ويُؤيِّده عطف قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾[البقرة: ٢٤٨]. قال عطاء بن أبي رباحٍ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ هي ما يعرفون من الآيات، فيسكنوا٣ إليها٤. وقال قتادة والكلبيُّ: هي من السُّكون، أي طمأنينةٌ من ربِّكم، ففي أي مكانٍ كان التّابوت اطمأنُّوا إليه وسكنوا٥.
قال٦: (وفيها ثلاثة أشياء: للأنبياء معجزةٌ، ولملوكهم كرامةٌ، وهي آية النُّصرة، تخلع قلوبَ الأعداء بصوتها رُعبًا إذا التقى الصَّفّانِ للقتال).
كرامات الأولياء هي من معجزات الأنبياء، لأنّهم إنّما نالوها على
(١) رواه الطبري (٤/ ٤٧٠).
(٢) رواه الطبري (٤/ ٤٧٠)، وابن أبي حاتم (٢/ ٤٦٩).
(٣) كذا في النسخ بحذف النون. وفي مصدر المؤلف بإثباتها.