مدارج السالكين

أيديهم وسببِ اتِّباعهم، فهي لهم كراماتٌ، وللأنبياء دلالاتٌ. فكرامات الأولياء لا تُعارِض معجزاتِ الأنبياء حتّى يُطلَب الفرقان بينهما، لأنّها من أدلّتهم وشواهدِ صدقهم.

نعم، الفرق بين١ ما للأنبياء وما للأولياء من وجوهٍ كثيرةٍ جدًّا، ليس هذا موضعَ ذكرها. وغيرُ هذا الكتاب أليقُ بها.

فصل

قال٢: (السّكينة الثّانية: هي التي تنطق على ألسنة٣ المحدَّثين، ليست هي شيئًا يُملَك، إنّما هي شيءٌ من لطائف صنعِ الحقِّ، تُلْقي على لسان المحدَّث الحكمةَ كما يُلقي الملَكُ الوحيَ على قلوب الأنبياء. وتُنطِق المحدَّثين بنكت الحقائق، مع ترويحِ الأسرار وكشف الشُّبَه).

السّكينة إذا نزلت في القلب اطمأنّ بها، وسكنتْ إليها الجوارح وخشعت، واكتسبت الوقار، وأنطقتِ اللِّسانَ بالصّواب والحكمة، وحالت بينه وبين قول الخنا والفحش، واللّغو والهُجْر، وكلِّ باطلٍ. قال ابن عبّاسٍ ﵄: كنّا نتحدّث أنّ السّكينة تنطق على لسان عمر وقلبه٤.

  1. (١) «بين» ليست في ش، د.
  2. (٢) «المنازل» (ص ٦٧).
  3. (٣) ل: «لسان». وفي «المنازل»: «ألسُن».
  4. (٤) هذا مرويٌّ عن علي بن أبي طالب، أخرجه عبد الرزاق في «المصنّف» (١١/ ٢٢٢)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣٢٦٣٧)، وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٨٣٤)، و«فضائل الصحابة» (١/ ٣٣٠)، والفسوي في «المعرفة» (١/ ٤٦١، ٤٦٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٤٢) وغيرهم.
336

وكثيرٌ١ ما ينطق صاحب السّكينة بكلامٍ لم يكن عن فكرةٍ منه ولا رويّةٍ، ولا هيَّأَه، ويستغربه هو من نفسه كما يستغرب السّامع له. وربّما لم يعلم بعد انقضائه بما صدر منه.

وأكثر ما يكون هذا عند الحاجة، وصدق الرّغبة من السّائل والمُجالس، وصدقِ الرّغبة منه هو إلى الله، والإسراعِ بقلبه إلى بين يديه وحضرته، مع تجرُّدِه من الهوى، وتجريدِه النّصيحةَ لله ورسوله وعباده، وإزالةِ نفسِه من البين.

ومن جرَّب هذا عرفَ قَدْرَ منفعته وعظَّمها، وساء ظنُّه بما يُحسِن به الغافلون ظنونَهم من كثيرٍ من كلام النّاس.

وقوله: (وليست شيئًا يُملَك)، يعني هي موهبةٌ من الله تعالى ليست بسببيّةٍ ولا كسبيّةٍ، وليست كالسّكينة التي كانت في التّابوت تُنْقَل٢ معهم كيف شاؤوا.

وقوله: (تُلقي على لسان المحدَّث الحكمةَ)، أي يجري الصّواب على لسانه.

وقوله: (كما يُلقِي الملَكُ الوحي على قلوب الأنبياء ﵈).

يعني: أنّها بواسطة الملائكة، بحيث تتلقَّي قلوبُ أربابها الحكمةَ عنهم والطُّمأنينة والصّواب، كما أنّ الأنبياء تتلقّى الوحي عن الله تعالى بواسطة الملائكة. ولكن ما للأنبياء مختصٌّ بهم، لا يُشاركهم فيه غيرهم. وهو نوعٌ آخر.

  1. (١) كذا في الأصول مرفوعًا.
  2. (٢) ش، وهامش د: «تنتقل».
337

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي