مدارج السالكين

وكثيرٌ١ ما ينطق صاحب السّكينة بكلامٍ لم يكن عن فكرةٍ منه ولا رويّةٍ، ولا هيَّأَه، ويستغربه هو من نفسه كما يستغرب السّامع له. وربّما لم يعلم بعد انقضائه بما صدر منه.

وأكثر ما يكون هذا عند الحاجة، وصدق الرّغبة من السّائل والمُجالس، وصدقِ الرّغبة منه هو إلى الله، والإسراعِ بقلبه إلى بين يديه وحضرته، مع تجرُّدِه من الهوى، وتجريدِه النّصيحةَ لله ورسوله وعباده، وإزالةِ نفسِه من البين.

ومن جرَّب هذا عرفَ قَدْرَ منفعته وعظَّمها، وساء ظنُّه بما يُحسِن به الغافلون ظنونَهم من كثيرٍ من كلام النّاس.

وقوله: (وليست شيئًا يُملَك)، يعني هي موهبةٌ من الله تعالى ليست بسببيّةٍ ولا كسبيّةٍ، وليست كالسّكينة التي كانت في التّابوت تُنْقَل٢ معهم كيف شاؤوا.

وقوله: (تُلقي على لسان المحدَّث الحكمةَ)، أي يجري الصّواب على لسانه.

وقوله: (كما يُلقِي الملَكُ الوحي على قلوب الأنبياء ﵈).

يعني: أنّها بواسطة الملائكة، بحيث تتلقَّي قلوبُ أربابها الحكمةَ عنهم والطُّمأنينة والصّواب، كما أنّ الأنبياء تتلقّى الوحي عن الله تعالى بواسطة الملائكة. ولكن ما للأنبياء مختصٌّ بهم، لا يُشاركهم فيه غيرهم. وهو نوعٌ آخر.

  1. (١) كذا في الأصول مرفوعًا.
  2. (٢) ش، وهامش د: «تنتقل».
337

وقوله: (تُنطِق المحدَّثين بنكت الحقائق، مع ترويح الأسرار وكشف الشُّبه).

قد تقدّم في أوّل الكتاب١ ذكرُ مرتبة المحدَّث، وأنّ هذا التّحديث من مراتب الهداية العشرة، وأنّ المحدَّث هو الذي يُحدَّث في سِرِّه بالشّيء، فيكون كما يُحدَّث به. والحقائق هي حقائق الإيمان والسُّلوك، ونُكَتُها عيونها ومواضع الإشارات منها. ولا ريبَ أنّ تلك تُوجب للأسرار رُوحًا ورَوْحًا تحيا بها وتتنعّم، وتكشِف عنها شُبهاتٍ لا يكشِفها المتكلِّمون ولا الأصوليُّون، فتسكُن الأرواح والقلوب إليها، ولذا سُمِّيت سكينةً. ومن لم يَفُزْ٢ من الله بذلك لم تنكشف عنه شبهاته، فإنّها لا يكشِفها إلّا سكينةُ الإيمان واليقين٣.

فصل

قال٤: (السّكينة الثّالثة: هي التي أُنزِلت في قلب النّبيِّ ﷺ وقلوب المؤمنين. وهي شيءٌ يجمع نورًا وقوّةً وروحًا، يَسكُن إليه الخائف، ويتسلّى به الحزين والضَّجِر، ويستكين٥ إليه العصيُّ والجريء والأبيُّ).

هذا من عيون كلامه وغُرَره الذي تُثنَى عليه الخناصر، وتُعقَد عليه القلوب، ونطقُه به عن ذوقٍ تامٍّ، لا عن علمٍ مجرّدٍ.

  1. (١) (١/ ٦١).
  2. (٢) ش، د: «يقر».
  3. (٣) «واليقين» ليست في د.
  4. (٤) «المنازل» (ص ٦٧).
  5. (٥) ش، د: «ويسكن».
338

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي