مدارج السالكين

فذكر أنّ هذا الشّيء أنزله الله في قلب رسوله وقلوب عباده المؤمنين، يشتمل على ثلاثة معانٍ: النُّور، والقوّة، والرُّوح.

وذكر له ثلاث ثمراتٍ: سكون الخائف إليه، وتسلِّي الحزين والضّجر به، واستكانة صاحب١ المعصية والجرأة على المخالفة والإباء إليه.

فبالرُّوح٢ الذي فيها: حياةُ القلب، وبالنُّور الذي فيها: استنارتُه وضياؤه وإشراقه، وبالقوّة: ثباته٣ وعزمه ونشاطه.

فالنُّور يكشف له عن دلائل الإيمان، وحقائق اليقين، ويُميِّز له بين الحقِّ والباطل، والهدى والضّلال، والغيِّ والرشاد، والشّكِّ واليقين.

والحياة توجب كمالَ يقظته وفطنته٤، وحضورَه وانتباهه من سنة الغفلة، وتأهُّبَه للِّقاء.

والقوّة توجب له الصِّدقَ، وصحّةَ المعرفة، وقَهْرَ داعي الغَيِّ والعَنَت٥، وضبطَ النّفس عن جزَعِها وهلَعِها واسترسالِها في النّقائص والعيوب. ولذلك ازداد بالسّكينة إيمانًا مع إيمانه.

والإيمان يُثمِر له النُّورَ والحياةَ والقوّةَ، وهذه٦ الثّلاثة تُثمِره أيضًا،

  1. (١) ل: «لصاحب».
  2. (٢) ش، د: «فالبروح».
  3. (٣) ش، د: «بيانه».
  4. (٤) ش، د: «وفطنه». والفَطَن أيضًا مصدر مثل الفطنة.
  5. (٥) ل: «والعيب».
  6. (٦) «وهذه» ليست في د.
339

وتُوجب زيادتَه. فهو محفوفٌ بها قبلها وبعدها.

فبالنُّور يَكشِف دلائلَ الإيمان. وبالحياة يتنبَّه من سنة الغفلة، ويصير يقظانَ. وبالقوّة يقهر الهوى والنّفس والشّيطان.

وتلك مواهبُ الرّحمنِ ليستتُحَصَّلُ باجتهادٍ أو بكَسْبِ
ولكن لا غنى عن بذْلِ جهدٍبإخلاصٍ وجدٍّ لا بلَعْبِ
وفضلُ الله مبذولٌ ولكنبحكمته وعن ذا النّصُّ يُنبِي
فما من حكمة الرّحمن وَضْعُ الـكواكبِ بين أحجارٍ وتُرْبِ
فشكرًا للّذي أعطاك منهفلو قبل المحلُّ لزادَ ربِّي١

فصل

فإذا حصلت هذه الثّلاثة بالسّكينة ــ وهي النُّور والحياة والرُّوح ــ سكنَ إليها العصيُّ، وهو الذي سكونه إلى المعصية والمخالفة لعدم سكينة الإيمان في قلبه، فلما سكنت سكينةُ الإيمان في قلبه صار سكونه إليها عِوَضَ سكونِه إلى الشّهوات والمخالفات، فإنّه قد وجد فيها مطلوبَه، وهو اللّذّة التي كان يطلبها من المعصية، ولم يكن له ما يُعِيضُه عنها. فمنذُ أُنزِلتْ٢ عليه السّكينة اعتاضَ بلذَّتها وروحها ونعيمِها عن لذّة المعصية، فاستراحت بها نفسه، وهاج إليها قلبُه، ووجد فيها من الرُّوح والرّاحة واللّذّة ما لا نسبةَ بينه وبين اللّذّة الجسمانيّة النّفسانيّة، فصارت لذَّاتُه روحانيّةً قلبيّةً بعد أن كانت جسمانيّةً، فأَسْلَتْه عنها وخلَّصتْه، فإذا تألَّقَتْ بُروقُها قال:

  1. (١) لم أجد الأبيات في مصدر آخر، ولعلها للمؤلف.
  2. (٢) ل: «فهذا نزلت».
340

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي