مدارج السالكين

وتُوجب زيادتَه. فهو محفوفٌ بها قبلها وبعدها.

فبالنُّور يَكشِف دلائلَ الإيمان. وبالحياة يتنبَّه من سنة الغفلة، ويصير يقظانَ. وبالقوّة يقهر الهوى والنّفس والشّيطان.

وتلك مواهبُ الرّحمنِ ليستتُحَصَّلُ باجتهادٍ أو بكَسْبِ
ولكن لا غنى عن بذْلِ جهدٍبإخلاصٍ وجدٍّ لا بلَعْبِ
وفضلُ الله مبذولٌ ولكنبحكمته وعن ذا النّصُّ يُنبِي
فما من حكمة الرّحمن وَضْعُ الـكواكبِ بين أحجارٍ وتُرْبِ
فشكرًا للّذي أعطاك منهفلو قبل المحلُّ لزادَ ربِّي١

فصل

فإذا حصلت هذه الثّلاثة بالسّكينة ــ وهي النُّور والحياة والرُّوح ــ سكنَ إليها العصيُّ، وهو الذي سكونه إلى المعصية والمخالفة لعدم سكينة الإيمان في قلبه، فلما سكنت سكينةُ الإيمان في قلبه صار سكونه إليها عِوَضَ سكونِه إلى الشّهوات والمخالفات، فإنّه قد وجد فيها مطلوبَه، وهو اللّذّة التي كان يطلبها من المعصية، ولم يكن له ما يُعِيضُه عنها. فمنذُ أُنزِلتْ٢ عليه السّكينة اعتاضَ بلذَّتها وروحها ونعيمِها عن لذّة المعصية، فاستراحت بها نفسه، وهاج إليها قلبُه، ووجد فيها من الرُّوح والرّاحة واللّذّة ما لا نسبةَ بينه وبين اللّذّة الجسمانيّة النّفسانيّة، فصارت لذَّاتُه روحانيّةً قلبيّةً بعد أن كانت جسمانيّةً، فأَسْلَتْه عنها وخلَّصتْه، فإذا تألَّقَتْ بُروقُها قال:

  1. (١) لم أجد الأبيات في مصدر آخر، ولعلها للمؤلف.
  2. (٢) ل: «فهذا نزلت».
340
تألَّقَ البرقُ نَجديًّا فقلتُ لهيا أيُّها البرقُ إنِّي عنكَ مشغولُ١

وإذا طرقَتْه طيوفُها الخياليّة تمثّل بقوله٢:

طَرقَتْكَ صائدةُ القلوبِ وليس ذاوقتَ الزِّيارةِ فارجعي بسلام

فإذا وَدَّعتْه، وعَزمتْ على الرّحيل، ووعدتْه بالموافاة= تمثَّلَ بقول الآخر٣:

قالت وقد عَزمتْ على تَرحالهاماذا تريد؟ فقلت أن لا تَرْجِعي

فإذا باشرتْ هذه السّكينة قلبَه سكَّنتْ خوفَه، وهو قوله: (يسكُن إليها الخائف)، وسَلَّتْ حزنَه؛ فإنّها لا حزنَ معها. فهي سُلوة المحزون، ومُذهِبة الهموم والغموم. وكذلك تُذهِب عنه وخَمَ ضجرِه، وتَبعث نشوةَ العزم، وحالت بينه وبين الجرأة على مخالفة الأمر، وبين إباء النّفس للانقياد إليه.

فصل

قال٤: (وأمّا سكينة الوقار التي نزَّلها نعتًا لأربابها: فإنّها ضياء تلك السّكينة الثّالثة التي ذكرناها، وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: سكينة الخشوع عند القيام للخدمة: رعايةً، وتعظيمًا، وحضورًا).

فسكينة الوقار هي٥ نوعٌ من السّكينة، ولكن لمّا كانت موجبةً للوقار سمّاها الشّيخ ﵀ سكينة الوقار.

وقوله: (نزّلها نعتًا)، يعني نزَّلها الله في قلوب أهلها، ونَعتَهم بها.

وقوله: (فإنّها ضياء تلك

  1. (١) البيت بلا نسبة في «الزهرة» (١/ ٣٥٣)، ولأحد الخوارج في «معجم البلدان» (٥/ ٢٦٤)، ولأعرابي في «الحماسة البصرية» (٣/ ٩٨٨). وانظر: «شعر الخوارج» (ص ٢٠٣). وذكر المؤلف في «بدائع الفوائد» (١/ ١٩٠) أن شيخ الإسلام كثيرًا ما كان يتمثل به.
  2. (٢) البيت لجرير في «ديوانه» (ص ٤٥٢).
  3. (٣) ل: «القائل». والبيت للملك المعظم شرف الدين عيسى بن العادل في «شذرات الذهب» (٥/ ١١٥)، قاله في الحمَّى. وهو مع آخر في «زاد المعاد» (٤/ ٣٨).
  4. (٤) «المنازل» (ص ٦٨).
  5. (٥) «هي» ليست في ش، د.
341

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي