مدارج السالكين
تألَّقَ البرقُ نَجديًّا فقلتُ لهيا أيُّها البرقُ إنِّي عنكَ مشغولُ١

وإذا طرقَتْه طيوفُها الخياليّة تمثّل بقوله٢:

طَرقَتْكَ صائدةُ القلوبِ وليس ذاوقتَ الزِّيارةِ فارجعي بسلام

فإذا وَدَّعتْه، وعَزمتْ على الرّحيل، ووعدتْه بالموافاة= تمثَّلَ بقول الآخر٣:

قالت وقد عَزمتْ على تَرحالهاماذا تريد؟ فقلت أن لا تَرْجِعي

فإذا باشرتْ هذه السّكينة قلبَه سكَّنتْ خوفَه، وهو قوله: (يسكُن إليها الخائف)، وسَلَّتْ حزنَه؛ فإنّها لا حزنَ معها. فهي سُلوة المحزون، ومُذهِبة الهموم والغموم. وكذلك تُذهِب عنه وخَمَ ضجرِه، وتَبعث نشوةَ العزم، وحالت بينه وبين الجرأة على مخالفة الأمر، وبين إباء النّفس للانقياد إليه.

فصل

قال٤: (وأمّا سكينة الوقار التي نزَّلها نعتًا لأربابها: فإنّها ضياء تلك السّكينة الثّالثة التي ذكرناها، وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: سكينة الخشوع عند القيام للخدمة: رعايةً، وتعظيمًا، وحضورًا).

فسكينة الوقار هي٥ نوعٌ من السّكينة، ولكن لمّا كانت موجبةً للوقار سمّاها الشّيخ ﵀ سكينة الوقار.

وقوله: (نزّلها نعتًا)، يعني نزَّلها الله في قلوب أهلها، ونَعتَهم بها.

وقوله: (فإنّها ضياء تلك

  1. (١) البيت بلا نسبة في «الزهرة» (١/ ٣٥٣)، ولأحد الخوارج في «معجم البلدان» (٥/ ٢٦٤)، ولأعرابي في «الحماسة البصرية» (٣/ ٩٨٨). وانظر: «شعر الخوارج» (ص ٢٠٣). وذكر المؤلف في «بدائع الفوائد» (١/ ١٩٠) أن شيخ الإسلام كثيرًا ما كان يتمثل به.
  2. (٢) البيت لجرير في «ديوانه» (ص ٤٥٢).
  3. (٣) ل: «القائل». والبيت للملك المعظم شرف الدين عيسى بن العادل في «شذرات الذهب» (٥/ ١١٥)، قاله في الحمَّى. وهو مع آخر في «زاد المعاد» (٤/ ٣٨).
  4. (٤) «المنازل» (ص ٦٨).
  5. (٥) «هي» ليست في ش، د.
341

السّكينة الثّالثة التي ذكرناها)، أي نتيجتها وثمرتها، وعنها نشأتْ، كما أنّ الضِّياء عن الشّمس حصلَ.

ولمّا كان النُّور والحياة والقوّة ــ التي ذكرنا ــ ممّا يُثمِر الوقار= جعلَ سكينة الوقار كالضِّياء لتلك السّكينة، إذ هو علامة حصولها، ودليلٌ عليها، كدلالة الضِّياء على حامله.

قوله: (الدّرجة الأولى: سكينة الخشوع عند القيام للخدمة)، يريد به الوقار والخشوع الذي يحصل لصاحب مقام الإحسان. وهو من يعبد الله كأنه يراه، فإنه لا مَحالة يقوم بوقار الخدمةِ وخشوعها، فعدمُ الخشوع والوقار يدلُّ على أنه أجنبيٌّ من مقام الإحسان.

ولمّا كان الإيمان موجبًا للخشوع وداعيًا إليه، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا﴾ [الحديد: ١٦]. دعاهم من مقام الإيمان إلى مقام الإحسان، يعني: أما آنَ لهم أن يَصِلوا الإحسانَ بالإيمان، وتحقيقَ ذلك بخشوعهم لذكره الذي أنزله إليهم؟

342

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي