وتعظيمًا وخضوعًا، ومفزعًا إليه في الحوائج والنّوائب. وذلك مستلزمٌ لكمال ربوبيّته ورحمته المتضمِّنتين١ لكمال الملك والحمد. وإلهيّتُه٢ وربوبيّتُه ورحمانيّتُه وملكُه مستلزمٌ لجميع صفات كماله، إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحيٍّ ولا سميعٍ ولا بصيرٍ ولا قادرٍ ولا متكلِّمٍ، ولا فعّالٍ لما يريد، ولا حكيمٍ في أفعاله.
فصفات الجلال والجمال أخصُّ٣ باسم "الله". وصفات الفعل والقدرة، والتّفرُّد بالضَّرِّ والنّفع والعطاء والمنع، ونفوذ المشيئة وكمال القوّة، وتدبير أمر الخليقة= أخصُّ باسم "الرّبِّ".
فـ"الرَّحمن": الذي الرَّحمةُ وصفُه، و"الرَّحيم": الرَّاحم لعباده. ولهذا يقول تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾[الأحزاب: ٤٣]، ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾[التوبة: ١١٧]. ولم يجئ: رحمانُ بعباده، ولا رحمانُ بالمؤمنين، مع ما في اسم "الرَّحمن" الذي هو على وزن فعلان من سعة هذا الوصف وثبوت جميع معناه للموصوف به. ألا ترى أنّهم يقولون: غضبان، للممتلئ غضبًا،
(١) ما عدا ش، ع: "المتضمنين".
(٢) رسمه في الأصل: "والهيبة" وهو سبق قلم، ولكن كذا نقل في م، ج أيضًا.
(٣) رسمها في الأصل هنا وفيما يأتي: "اختص"، وأخشى أن يكون مغيَّرًا.
ولهذا يقرُن استواءَه على العرش بهذا الاسم كثيرًا١، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه: ٥]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾[الفرقان: ٥٩]. فاستوى على عرشه باسم "الرّحمن"، لأنّ العرش محيطٌ بالمخلوقات قد وَسِعَها، والرّحمةُ محيطةٌ بالخلق واسعةٌ لهم، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾[الأعراف: ١٥٦]. فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصِّفات، فلذلك وسعت رحمته كلَّ شيءٍ.
وفي الصّحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لمّا قضى الله الخلقَ كتَب في كتابٍ فهو عنده موضوعٌ على العرش: إنّ رحمتي تغلب غضبي"٢. وفي لفظ: "سبقت رحمتي غضبي"٣. وفي لفظٍ: "فهو عنده، وضعه على العرش"٤.
فتأمَّلْ اختصاصَ هذا الكتاب بذكر الرّحمة ووضعِه عنده على العرش، وطابِقْ بين ذلك وبين قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه: ٥]، وقوله:
(١) لم يقرن باسم الرحمن في القرآن الكريم إلا في الموضعين المذكورين.
(٢) أخرجه البخاري (٧٤٠٤)، ومسلم (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) البخاري (٧٥٥٣)، ومسلم (٢٧٥١/ ١٥). وقد سقط هذا اللفظ من ع، واستدرك في حاشية ش: "وفي رواية: ... ".
(٤) كذا في الأصل وغيره، وفي هامش ع: "خ وضعٌ". يعني اللفظ الوارد في البخاري (٧٤٠٤): "وهو وَضْعٌ عنده على العرش" أي موضوع. وفي رواية أبي ذر: "وَضَعَ". انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٣٨٥).