مدارج السالكين

السّكينة الثّالثة التي ذكرناها)، أي نتيجتها وثمرتها، وعنها نشأتْ، كما أنّ الضِّياء عن الشّمس حصلَ.

ولمّا كان النُّور والحياة والقوّة ــ التي ذكرنا ــ ممّا يُثمِر الوقار= جعلَ سكينة الوقار كالضِّياء لتلك السّكينة، إذ هو علامة حصولها، ودليلٌ عليها، كدلالة الضِّياء على حامله.

قوله: (الدّرجة الأولى: سكينة الخشوع عند القيام للخدمة)، يريد به الوقار والخشوع الذي يحصل لصاحب مقام الإحسان. وهو من يعبد الله كأنه يراه، فإنه لا مَحالة يقوم بوقار الخدمةِ وخشوعها، فعدمُ الخشوع والوقار يدلُّ على أنه أجنبيٌّ من مقام الإحسان.

ولمّا كان الإيمان موجبًا للخشوع وداعيًا إليه، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا﴾ [الحديد: ١٦]. دعاهم من مقام الإيمان إلى مقام الإحسان، يعني: أما آنَ لهم أن يَصِلوا الإحسانَ بالإيمان، وتحقيقَ ذلك بخشوعهم لذكره الذي أنزله إليهم؟

342

قوله: (رعايةً وتعظيمًا وحضورًا)، هذه ثلاثة أمورٍ تُحقِّق الخشوعَ في الخدمة، وهي: رعاية حقوقها الظّاهرة والباطنة، فليس يُضيِّعها خشوعٌ ولا وقارٌ.

الثّاني: تعظيم الخدمة وإجلالها، وذلك تَبَعٌ لتعظيم المعبود وإجلاله. فعلى قدر تعظيمه في قلب العبد وإجلاله ووقاره يكون تعظيمه لخدمته، وإجلالُه لها، ورعايتُه لها.

والثّالث: الحضور، وهو إحضار القلب فيها مشاهدةً للمعبود كأنّه يراه.

فهذه الثّلاثة تُثمِر له سكينةَ الوقار.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّانية: السّكينة عند المعاملة، بمحاسبة النفس، وملاطفةِ الخَلْق، ومراقبةِ الحقِّ).

هذه الدّرجة التي يحوم عليها أهل التّصوُّف، والعلم الذي٢ يُشمِّرون إليه، وهي سكينة المعاملة التي بينهم وبين الله، وبينهم وبين خلقه، بثلاثة أشياء:

أحدها: محاسبة النّفس، حتّى تَعرف ما لها وما عليها، ولا يَدَعها تسترسل في الحقوق استرسالًا، فيضيِّعها ويُهمِلها.

وأيضًا، فإنّ زكاءها وطهارتها موقوفٌ على محاسبتها، فلا تزكو ولا

  1. (١) «المنازل» (ص ٦٨).
  2. (٢) ش: «الذين».
343

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي