مدارج السالكين

قوله: (رعايةً وتعظيمًا وحضورًا)، هذه ثلاثة أمورٍ تُحقِّق الخشوعَ في الخدمة، وهي: رعاية حقوقها الظّاهرة والباطنة، فليس يُضيِّعها خشوعٌ ولا وقارٌ.

الثّاني: تعظيم الخدمة وإجلالها، وذلك تَبَعٌ لتعظيم المعبود وإجلاله. فعلى قدر تعظيمه في قلب العبد وإجلاله ووقاره يكون تعظيمه لخدمته، وإجلالُه لها، ورعايتُه لها.

والثّالث: الحضور، وهو إحضار القلب فيها مشاهدةً للمعبود كأنّه يراه.

فهذه الثّلاثة تُثمِر له سكينةَ الوقار.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّانية: السّكينة عند المعاملة، بمحاسبة النفس، وملاطفةِ الخَلْق، ومراقبةِ الحقِّ).

هذه الدّرجة التي يحوم عليها أهل التّصوُّف، والعلم الذي٢ يُشمِّرون إليه، وهي سكينة المعاملة التي بينهم وبين الله، وبينهم وبين خلقه، بثلاثة أشياء:

أحدها: محاسبة النّفس، حتّى تَعرف ما لها وما عليها، ولا يَدَعها تسترسل في الحقوق استرسالًا، فيضيِّعها ويُهمِلها.

وأيضًا، فإنّ زكاءها وطهارتها موقوفٌ على محاسبتها، فلا تزكو ولا

  1. (١) «المنازل» (ص ٦٨).
  2. (٢) ش: «الذين».
343

تطهر ولا تَصلُح البتَّةَ إلّا بمحاسبتها.

قال الحسن ﵁: إنّ المؤمن واللهِ لا تراه إلّا قائمًا على نفسه: ما أردتُ بهذا؟ ما لي ولهذا؟ ونحو هذا من الكلام١.

فبمحاسبتها يَطَّلع على عيوبها ونقائصها، فيُمكِنه السّعيُ في إصلاحها.

الثّاني: ملاطفة الخلق، وهي معاملتهم بما يحبُّ أن يعاملوه به من اللُّطف. ولا يعاملهم بالعنف والشِّدّة والغلظة، فإنّ ذلك يُنفِّرهم عنه، ويُغرِيهم به، ويُفسِد عليه قلبه وحاله مع الله ووقتَه، فليس للقلب أنفعُ من معاملة النّاس باللُّطف. فإنّ مُعامِله بذلك: إمّا أجنبيٌّ فيكسِب مودَّتَه ومحبّته، وإمّا صاحبٌ وحبيبٌ فيستدِيمُ صحبتَه ومحبتَه، وإمّا عدوٌّ ومُبغِضٌ فتُطفِئ بلطفك جمرتَه، وتَستكفي شرَّه، ويكون احتمالُك لمَضَضِ لطفك به دون احتمالك لضررِ ما ينالك من الغِلظة عليه والعُنْفِ به.

الثّالث: مراقبة الحقِّ سبحانه، وهي الموجبة لكلِّ صلاحٍ وخيرٍ عاجلٍ وآجلٍ. ولا تصحُّ الدّرجتان الأوليان٢ إلّا بهذه، وهي المقصود لذاته، وما قبله وسيلةٌ إليه وعونٌ عليه. فمراقبة الحقِّ سبحانه تُوجب إصلاحَ النّفس واللُّطفَ بالخلق.

  1. (١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «محاسبة النفس» (١٧)، وابن الجوزي في «ذم الهوى» (ص ٤١)، وابن قدامة في «مختصر منهاج القاصدين» (ص ٣٧٣)، والمزي في «تهذيب الكمال» (٣١/ ٥٣١). وانظر: «إحياء علوم الدين» (٤/ ٤٠٤)، و«صفة الصفوة» (٣/ ٢٣٤).
  2. (٢) في النسخ: «الدرجتين الأوليين» منصوبتين، ولا وجه للنصب.
344

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي