مدارج السالكين

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الطُّمأنينة.

قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ﴾ [الرعد: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].

الطُّمأنينة: سكون القلب إلى الشّيء، وعدمُ اضطرابِه وقلَقِه. ومنه الأثر المعروف: «الصِّدق طمأنينةٌ، والكذِبُ ريبةٌ»١، أي الصِّدق يطمئنُّ إليه قلب السّامع، ويجد عنده سكونًا إليه، والكذب يُوجب له اضطرابًا وارتيابًا. ومنه قوله ﷺ: «البرُّ ما اطمأنّ إليه القلب»٢، أي سَكَن إليه وزال عنه اضطرابه وقَلَقُه.

  1. (١) أخرجه أحمد (١٧٢٣)، والترمذي (٢٥١٨)، والبيهقي (٥/ ٣٣٥) وغيرهم من حديث الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄. وصححه الترمذي وابن حبان (٧٢٢) والحاكم (٢/ ١٣، ٤/ ٩٩).
  2. (٢) أخرجه أحمد (١٨٠٠١)، والدارمي (٢٥٣٣)، وأبو يعلى (١٥٨٦، ١٥٨٧)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٢١٣٩)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ١٤٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٢٤، ٦/ ٢٥٥)، والبيهقي في «الدلائل» (٦/ ٢٩٢) من حديث وابصة بن معبد ﵁. وفي إسناده الزبير أبو عبد السلام لا يُعرف، كما في «الميزان» (٤/ ٥٤٨). وله شاهد من حديث أبي ثعلبة الخشني أخرجه أحمد (١٧٧٤٢)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٢١٩)، وإسناده صحيح، وجوَّد إسنادَه المنذري في «الترغيب» (٢/ ٣٥١).
347

وفي ذكر الله هاهنا قولان١:

أحدهما: أنّه ذكرُ العبد ربَّه، فإنّه يطمئنُّ إليه قلبه ويسكن. فإذا اضطرب القلب وقلِقَ فليس له ما يطمئنُّ به سوى ذكر الله.

ثمّ اختلف أصحاب هذا القول فيه.

فمنهم من قال: هذا في الحلف واليمين. إذا حلف المؤمن على شيءٍ سكنت قلوب المؤمنين إليه واطمأنّتْ، ويُروى هذا عن ابن عبّاسٍ ﵄٢.

ومنهم من قال: بل هو ذكرُ العبد ربّه٣ بينه وبينه، يسكُن إليه قلبه ويطمئنُّ.

والقول الثّاني: أنّ ذِكر الله هاهنا القرآن، وهو ذِكرُه الذي أنزله على رسوله، به طمأنينةُ قلوب المؤمنين. فإنّ القلب لا يطمئنُّ إلّا بالإيمان واليقين، ولا سبيلَ إلى حصول الإيمان واليقين إلّا من القرآن، فإنّ سكون القلب وطمأنينته من يقينه٤، واضطرابه وقلقَه من شكِّه. والقرآن هو المحصِّل لليقين، الدّافع للشُّكوك والظُّنون والأوهام، فلا تطمئنُّ قلوب المؤمنين إلّا به. وهذا القول هو المختار.

  1. (١) انظر: «تفسير البغوي» (٣/ ١٧)، و«زاد المسير» (٤/ ٣٢٧)، و«تفسير القرطبي» (٩/ ٣١٥) وغيرها.
  2. (٢) ذكره البغوي (٣/ ١٧).
  3. (٣) «ربه» ليس في ش، د.
  4. (٤) ل: «نفسه»، تحريف.
348

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي