مدارج السالكين

وفي ذكر الله هاهنا قولان١:

أحدهما: أنّه ذكرُ العبد ربَّه، فإنّه يطمئنُّ إليه قلبه ويسكن. فإذا اضطرب القلب وقلِقَ فليس له ما يطمئنُّ به سوى ذكر الله.

ثمّ اختلف أصحاب هذا القول فيه.

فمنهم من قال: هذا في الحلف واليمين. إذا حلف المؤمن على شيءٍ سكنت قلوب المؤمنين إليه واطمأنّتْ، ويُروى هذا عن ابن عبّاسٍ ﵄٢.

ومنهم من قال: بل هو ذكرُ العبد ربّه٣ بينه وبينه، يسكُن إليه قلبه ويطمئنُّ.

والقول الثّاني: أنّ ذِكر الله هاهنا القرآن، وهو ذِكرُه الذي أنزله على رسوله، به طمأنينةُ قلوب المؤمنين. فإنّ القلب لا يطمئنُّ إلّا بالإيمان واليقين، ولا سبيلَ إلى حصول الإيمان واليقين إلّا من القرآن، فإنّ سكون القلب وطمأنينته من يقينه٤، واضطرابه وقلقَه من شكِّه. والقرآن هو المحصِّل لليقين، الدّافع للشُّكوك والظُّنون والأوهام، فلا تطمئنُّ قلوب المؤمنين إلّا به. وهذا القول هو المختار.

  1. (١) انظر: «تفسير البغوي» (٣/ ١٧)، و«زاد المسير» (٤/ ٣٢٧)، و«تفسير القرطبي» (٩/ ٣١٥) وغيرها.
  2. (٢) ذكره البغوي (٣/ ١٧).
  3. (٣) «ربه» ليس في ش، د.
  4. (٤) ل: «نفسه»، تحريف.
348

وكذلك القولان أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].

والصّحيح: أنه ذِكره الذي أنزله على رسوله، وهو كتابه، مَن أعرض عنه قيّضَ له شيطانًا يُضِلُّه ويَصُدُّه عن السّبيل، وهو يحسب أنّه على هدًى.

وكذلك القولان في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].

والصّحيح: أنّه ذِكره الذي أنزله، وهو كتابه١، ولهذا يقول المعرض عنه: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ١٢٥ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٥].

وأمّا تأويل من تأوّله على الحلف ففي غاية البعد عن المقصود، فإنّ ذكر الله بالحلف يجري على لسان الصّادق والكاذب، والبرِّ والفاجر، والمؤمنون تطمئنُّ قلوبهم إلى الصّادق ولو لم يحلف، ولا تطمئنُّ قلوبهم إلى من يرتابون به ولو حلف. وجعل سبحانه الطُّمأنينةَ في قلوب المؤمنين ونفوسهم، وجعل الغِبطةَ والمِدحةَ والبشارةَ بدخول الجنّة لأهل الطُّمأنينة، فطوبى لهم وحسنُ مآبٍ.

وفي قوله: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] دليلٌ على أنّها لا ترجع إليه إلّا إذا كانت مطمئنّةً، فهناك ترجع إليه، وتدخل في عباده وتدخل جنّته. وكان من دعاء بعض السّلف: اللهمّ هَبْ لي نفسًا

  1. (١) انظر: «تفسير البغوي» (٣/ ٢٣٥).
349

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي