مدارج السالكين

وكذلك القولان أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].

والصّحيح: أنه ذِكره الذي أنزله على رسوله، وهو كتابه، مَن أعرض عنه قيّضَ له شيطانًا يُضِلُّه ويَصُدُّه عن السّبيل، وهو يحسب أنّه على هدًى.

وكذلك القولان في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].

والصّحيح: أنّه ذِكره الذي أنزله، وهو كتابه١، ولهذا يقول المعرض عنه: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ١٢٥ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٥].

وأمّا تأويل من تأوّله على الحلف ففي غاية البعد عن المقصود، فإنّ ذكر الله بالحلف يجري على لسان الصّادق والكاذب، والبرِّ والفاجر، والمؤمنون تطمئنُّ قلوبهم إلى الصّادق ولو لم يحلف، ولا تطمئنُّ قلوبهم إلى من يرتابون به ولو حلف. وجعل سبحانه الطُّمأنينةَ في قلوب المؤمنين ونفوسهم، وجعل الغِبطةَ والمِدحةَ والبشارةَ بدخول الجنّة لأهل الطُّمأنينة، فطوبى لهم وحسنُ مآبٍ.

وفي قوله: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] دليلٌ على أنّها لا ترجع إليه إلّا إذا كانت مطمئنّةً، فهناك ترجع إليه، وتدخل في عباده وتدخل جنّته. وكان من دعاء بعض السّلف: اللهمّ هَبْ لي نفسًا

  1. (١) انظر: «تفسير البغوي» (٣/ ٢٣٥).
349

مطمئنّةً إليك١.

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀٢: (الطُّمأنينة: سكونٌ يُقوِّيه أمنٌ صحيحٌ شبيهٌ بالعيان. وبينها وبين السّكينة فَرقانِ، أحدهما: أنّ السّكينة صَولةٌ تُورِث خمودَ الهيبة أحيانًا. والطُّمأنينة سكون أمنٍ فيه استراحةُ أنسٍ. والثّاني: أنّ السّكينة تكون نعتًا، وتكون حينًا بعد حينٍ، والطُّمأنينة لا تُفارِق صاحبَها).

الطُّمأنينة مُوجَبُ٣ السّكينة، وأثرٌ من آثارها. وكأنّها نهاية السّكينة.

فقوله: (سكونٌ يقوِّيه أمنٌ)، أي سكون القلب مع قوته بالأمن الصّحيح الذي لا يكون أمنَ غرورٍ، فإنّ القلب قد يسكُن إلى أمنِ الغرور، ولكن لا يطمئنُّ به لمفارقة ذلك السُّكون له. والطُّمأنينة لا تُفارق، فإنّها مأخوذةٌ من الإقامة. يقال: اطمأنّ بالمكان والمنزل: إذا أقام٤ به.

  1. (١) أخرج الطبراني في «الكبير» (٧٤٩٠) وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٩/ ١٥٨) من حديث أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال لرجل: «قل: اللهم إني أسألك نفسًا مطمئنة ...». قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٨٠): فيه مَن لم أعرفه. وأخرج ابن أبي الدنيا في «الرضا عن الله بقضائه» (٩٣) من حديث حفص عن عمر أن رجلًا لقي رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أتاني آتٍ في المنام وقال: «قل: اللهم ارزقني نفسًا مطمئنة توقن بوعدك ...»، فقال رسول الله ﷺ: «فقد رأيت خيرًا فالزمْ». وإسناده ضعيف فيه بعض المجاهيل.
  2. (٢) (ص ٦٨).
  3. (٣) ش، د: «توجب».
  4. (٤) ل: «إذا قام».
350

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي