مدارج السالكين

وسبب صحّة هذا الأمن المقوِّي للسُّكون شَبهُه بالعيان، بحيث لا يبقى معه شيءٌ من مجوِّزات١ الظُّنون والأوهام، بل كأنّ صاحبه يُعايِن ما يطمئنُّ به، فيأمن به اضطرابَ قلبه وقلَقَه وارتيابَه.

وأمّا الفَرقانِ اللّذان ذكرهما بينها وبين السّكينة، فحاصلُ٢ الفرقِ الأوّل: أنّ السّكينة تصول على الهيبة الحاصلة في القلب، فتُخمِدها في بعض الأحيان، فيسكُن القلب من انزعاج الهيبة بعضَ السُّكون. وذلك في بعض الأوقات، فليس حكمًا دائمًا مستمرًّا. وهذا يكون لأهل الطُّمأنينة دائمًا، ويصحبه الأمن والرّاحة بوجود الأنس. فإنّ الاستراحة في السّكينة قد تكون من الخوف والهيبة فقط، والاستراحة في منزل الطُّمأنينة تكون مع زيادة أنسٍ، وذلك فوق مجرّد الأمن٣، وقدرٌ زائدٌ عليه.

وحاصلُ الفرق الثّاني: أنّ الطُّمأنينة ملكةٌ ومقامٌ لا يفارق. والسّكينة تنقسم إلى سكينةٍ هي مقامٌ ونعتٌ لا يزول، وإلى سكينةٍ تكون وقتًا دون وقتٍ. هذا حاصل كلامه.

والّذي يظهر لي في الفرق بينهما أمران سوى ما ذكر:

أحدهما: أنّ ظفره وفوزه بمطلوبه الذي حصل له: السّكينة، فالسكينةُ بمنزلة من واجهه عدوٌّ يريد هلاكه، فهرب منه عدُّوه، فسكن روعُه. والطُّمأنينة بمنزلة حصنٍ رآه مفتوحًا فدخله، وأمِنَ فيه، وتقوَّى بصاحبه وعُدَّته. فللقلب ثلاثة أحوالٍ:

  1. (١) ش، د: «المجوزات».
  2. (٢) ش، د: «في أصل»، تحريف.
  3. (٣) د: «الأنس».
351

أحدها: الخوف والاضطراب والقلق من الوارد الذي يُزعِجه ويُقلِقه.

الثّاني: زوال ذلك الوارد عنه وعدمُه.

الثّالث: ظفره وفوزه بمطلوبه الذي كان ذلك الوارد حائلًا بينه وبينه.

وكلٌّ منهما يستلزم الآخر ويقارنه١، فالطُّمأنينة تستلزم السّكينةَ ولا تُفارقها، وكذلك بالعكس. لكنّ استلزام الطُّمأنينة للسّكينة أقوى من استلزام السّكينة للطُّمأنينة.

الثّاني: أنّ الطُّمأنينة أقوى وأعمُّ، فإنّها تكون في العلم والخبر به، واليقين والظّفر بالمعلوم. ولهذا اطمأنّت القلوب بالقرآن لمّا حصل لها الإيمان به ومعرفته، والهدايةُ به في ظُلَم الآراء والمذاهب، واكتفتْ به منها، وحكَّمتْه عليها وعزلتْها، وجعلتْ له الولاية بأسْرِها كما جعلها الله. فبه خاصمتْ، وإليه حاكمتْ، وبه صالتْ، وبه دَفعت الشُّبه.

وأمّا السّكينة فإنّها ثبات القلب عند هجوم المخاوف عليه، وسكونُه وزوال قلقه واضطرابِه، كما يحصل لحزب٢ الله عند مقاتلة العدوِّ وصولته.

فصل

قال٣: (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة٤ الأولى: طمأنينة القلب بذكر الله. وهي طمأنينة الخائف إلى الرّجاء، والضَّجِر إلى الحُكم، والمبتلى

  1. (١) ل: «يقاربه».
  2. (٢) ل: «حرب»، تحريف.
  3. (٣) «المنازل» (ص ٦٩).
  4. (٤) «الدرجة» ليست في ش، د.
352

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي