مدارج السالكين

إلى المثوبة).

قد تقدّم أنّ الطُّمأنينة بذكر الله بكلامه وكتابه، ولا ريبَ أنّ الذي ذكره في هذه الدّرجة هو من جملة الطُّمأنينة بذكره، وهي أعمُّ من ذلك. فذكر طمأنينة الخائف إلى الرّجاء، فإنّ الخائف١ إذا طال عليه الخوف واشتدّ به، وأراد الله أن يُرِيحه ويَحمِل عنه= أنزلَ عليه السّكينة، فاستراح قلبه إلى الرّجاء، واطمأنَّ به، وسكنَ لهيبُ خوفه.

وأمّا طمأنينة الضَّجِر إلى الحكم، فالمراد به: أنّ من أدركه الضَّجَر من قوّة التّكاليف، وأعباءِ الأمر وأثقالِه، ولا سيّما فيمن أُقيمَ مقامَ التّبليغ عن الله، ومجاهدةِ أعداءِ الله وقُطّاعِ الطّريق إليه، فإنّ ما يحمله ويتحمَّلُه فوق ما يحمله النّاسُ ويتحمّلونه، فلا بدّ أن٢ يُدرِكه الضَّجَر، ويضعُفَ صبره. فإذا أراد الله أن يُرِيحه ويَحمِل عنه أنزل عليه سكينته٣، فاطمأنَّ إلى حكمه الدِّينيِّ وحكمه القدريِّ، ولا طمأنينةَ له بدون مشاهدة الحكمين، وبحسب مشاهدتِه لهما تكون طمأنينته. فإنّه إذا اطمأنَّ إلى حكمه الدِّينيِّ علمَ أنّه دينه الحقُّ وهو صراطه٤، وهو ناصره وناصرُ أهلِه وكافيهم ووليُّهم. وإذا اطمأنّ إلى حكمه الكونيِّ علمَ أنّه لن يصيبه إلّا ما كتب الله له، وأنّه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا وجهَ للجزَع والقلَق إلّا ضعفُ اليقين والإيمان. فإنّ المحذور المَخُوف: إن لم يُقدَّر فلا سبيل إلى وقوعه، وإن قُدِّر فلا سبيلَ إلى

  1. (١) «فإن الخائف» ساقطة من ش، د.
  2. (٢) «أن» ليست في ش، د.
  3. (٣) ل: «السكينة».
  4. (٤) ش، د: «سراطه». وهي لغة في «الصراط».
353

صَرْفه بعد أن أُبرِم تقديره. فلا جزع حينئذٍ، لا ممّا قُدِّر، ولا ممّا لم يُقدَّر.

نعم إن كان في هذا النازل حيلةٌ فلا ينبغي أن يَعجِز عنه، وإن لم يكن فيه حيلةٌ فلا ينبغي أن يجزعَ منه. فهذه طمأنينة الضّجر إلى الحكم.

وأمّا طمأنينة المبتلى إلى المثوبة، فلا ريبَ أنّ المبتلى إذا قويت مشاهدته للمثوبة سكنَ قلبُه واطمأنَّ بمشاهدة العوض، وإنّما يشتدُّ به البلاء إذا غاب عنه ملاحظة الثّواب. وقد تقوى ملاحظة العِوَض حتّى يستلذّ بالبلاء ويراه نعمةً. ولا يُستبعَد هذا، فكثيرٌ من العقلاء إذا تحقَّق نفعَ الدّواء الكريه فإنّه يكاد يلتذُّ به، وملاحظتُه لنفعه تُغنِيه عن تألُّمه بمذاقه أو تُخفِّفه عنه. والعمل والمعوَّل إنّما هو على البصائر.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّانية: طمأنينة الرُّوح في القصد إلى الكشف، وفي الشّوق إلى العِدَة، وفي التّفرقة إلى الجمع).

طمأنينة الرُّوح: أن تطمئنَّ٢ في حال قصدها، ولا تلتفت إلى ما وراءها.

والمراد بالكشف: كشف الحقيقة، لا الكشف الجزئيُّ السُّفليُّ. وهو ثلاث درجاتٍ:

كشفٌ عن الطّريق المُوصِل إلى المطلوب، وهو الكشف عن حقائق الإيمان وشرائع الإسلام.

  1. (١) «المنازل» (ص ٦٩).
  2. (٢) ل: «تطهر».
354

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي