والتّجلِّي عند القوم بحسب هذه الشُّهوداتِ الثّلاث: فأصحاب تجلِّي الأفعال مشهدُهم توحيد الرُّبوبيّة. وأصحاب تجلِّي الأسماء والصِّفات مشهدُهم توحيد الإلهيّة. وأصحاب تجلِّي الذّات يُفنِيهم به عنهم.
وقد يَعرِض لبعضهم بحسب قوّة الوارد وضعف المحلِّ عجزٌ عن القيام والحركة، فربّما عطَّلَ بعضَ الفروض. وهذا له حكمُ أمثالِه من أهل العجز والتّفريط، والكاملون منهم قد يَفتُرون في تلك الحال عن الأعمال الشّاقّة، ويقتصرون على الفرائض وسننها وحقوقها، ولا يقعُدُ بهم ذلك الشُّهود والتّجلِّي٢ عنها، ولا يُؤثِرون عليه شيئًا من النّوافل والحركات التي لم تُفْرَض عليهم البتّةَ. وذلك في طريقهم رجوعٌ وانقطاعٌ.
(١) «المنازل» (ص ٦٩).
(٢) ل: «والتخلّي».
وأكملُ من هؤلاء: من يَصحَبُه ذلك في حال حركاته ونوافله، فلا يُعطِّل ذرّةً من أوراده. والله سبحانه قد فاوتَ بين قوى القلوب أشدَّ من تفاوتِ قوى الأبدان، وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ. وصاحب هذا المقام آيةٌ من آيات الله لأولي الألباب والبصائر.
والمقصود أنّه لولا طمأنينته إلى لطف الله لَمحَقَه شهود الحضرة وأفناه جملةً، فقد خرَّ موسى صعقًا لمّا تجلّى ربُّه للجبل، وتدكدكَ الجبل وساخَ في الأرض من تجلِّيه سبحانه.
هذا، ولا يُتوهَّم أنّ الحاصل في الدُّنيا للبشر كذلك ولا قريبٌ منه أبدًا، وإنّما هي المعارف واستيلاءُ مقام الإحسان على القلب فقط.
وإيّاك وتُرَّهاتِ القوم وخيالاتِهم ورعوناتِهم، وإن سمّوك محجوبًا فقل: اللهمّ زِدْني من هذا الحجاب الذي ما وراءه إلّا الخيالات والتُّرّهات والشّطحات. فكليم الرّحمن واحد، ومع هذا لم تَتَجلَّ الذّاتُ له، وأَراه١ ربُّه تعالى أنّه لا يثبت لتجلِّي ذاته، بما أشهدَه من حال الجبل، وخرَّ الكليمُ صَعِقًا مَغشيًّا عليه، لمّا رأى من حال الجبل عند تجلِّي ربِّه له، ولم يكن تجلِّيًا مطلقًا. قال الضّحّاك ﵁: أظهر الله من نور الحجب مثل منخرِ ثورٍ٢. وقال عبد الله بن سلامٍ وكعب الأحبار ﵄: ما تجلّى من عظمة الله للجبل إلّا مثلَ سمِّ الخياط حتّى صار دَكًّا. وقال السُّدِّيُّ ﵀: ما تجلّى إلّا قدر الخِنْصَر.