وأكملُ من هؤلاء: من يَصحَبُه ذلك في حال حركاته ونوافله، فلا يُعطِّل ذرّةً من أوراده. والله سبحانه قد فاوتَ بين قوى القلوب أشدَّ من تفاوتِ قوى الأبدان، وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ. وصاحب هذا المقام آيةٌ من آيات الله لأولي الألباب والبصائر.
والمقصود أنّه لولا طمأنينته إلى لطف الله لَمحَقَه شهود الحضرة وأفناه جملةً، فقد خرَّ موسى صعقًا لمّا تجلّى ربُّه للجبل، وتدكدكَ الجبل وساخَ في الأرض من تجلِّيه سبحانه.
هذا، ولا يُتوهَّم أنّ الحاصل في الدُّنيا للبشر كذلك ولا قريبٌ منه أبدًا، وإنّما هي المعارف واستيلاءُ مقام الإحسان على القلب فقط.
وإيّاك وتُرَّهاتِ القوم وخيالاتِهم ورعوناتِهم، وإن سمّوك محجوبًا فقل: اللهمّ زِدْني من هذا الحجاب الذي ما وراءه إلّا الخيالات والتُّرّهات والشّطحات. فكليم الرّحمن واحد، ومع هذا لم تَتَجلَّ الذّاتُ له، وأَراه١ ربُّه تعالى أنّه لا يثبت لتجلِّي ذاته، بما أشهدَه من حال الجبل، وخرَّ الكليمُ صَعِقًا مَغشيًّا عليه، لمّا رأى من حال الجبل عند تجلِّي ربِّه له، ولم يكن تجلِّيًا مطلقًا. قال الضّحّاك ﵁: أظهر الله من نور الحجب مثل منخرِ ثورٍ٢. وقال عبد الله بن سلامٍ وكعب الأحبار ﵄: ما تجلّى من عظمة الله للجبل إلّا مثلَ سمِّ الخياط حتّى صار دَكًّا. وقال السُّدِّيُّ ﵀: ما تجلّى إلّا قدر الخِنْصَر.
(١) ش، د: «راه». وفي هامش ش كما أثبتناه.
(٢) «تفسير البغوي» (٢/ ١٩٧). وفيه الأقوال الآتية.
وفي «صحيح الحاكم»١ من حديث ثابتٍ عن أنسٍ ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ قرأ هذه الآية، وقال هكذا ــ ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخِنْصر ــ فساخَ الجبل. وإسناده على شرط مسلمٍ.
ولمّا حدَّثَ به حميدٌ عن ثابتٍ استعظمه بعض أصحابه وقال: تُحدِّث بمثل هذا؟ فضربَ بيده في صدره وقال: يُحدِّث به ثابتٌ عن أنسٍ عن رسول الله ﷺ، وتُنكره أنت، أوَ لا أحدِّث به؟٢.
فإذا شهد لك المخدوعون بأنّك محجوبٌ عن تُرَّهاتِهم وخيالاتهم، فتلك الشّهادة لك بالاستقامة، فلا تستوحِشْ منها. وبالله التّوفيق، وهو المستعان٣.
(١) (٢/ ٣٢٠، ٣٢١، ٥٧٧). وأخرجه أيضًا أحمد (١٢٢٦٠)، والترمذي (٣٠٧٤)، والطبري في «تفسيره» (١٠/ ٤٢٩)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٥/ ١٥٦٠) وغيرهم. وإسناده صحيح.
(٢) الذي في «المستدرك» (٢/ ٣٢٠، ٣٢١): «فقال حميد لثابت: تحدِّث بمثل هذا؟ قال: فضرب ثابت صدر حميد ضربةً بيده وقال: رسول الله ﷺ يحدث به وأنا لا أحدث به؟!». ونحوه في «المسند» (١٢٢٦٠) مما يفيد أن المنكِر حميد على ثابت، وأنّ ثابتًا هو الذي ضرب بيده في صدرِ حميد.