وبين رؤية الخلق. فيرى الحقّ سبحانه وحده قائمًا بذاته، وكلّ شيءٍ قائم به، متوحِّدًا في كثرة أسمائه وأفعاله وصفاته، ولا يرى معه غيره، عكسَ حالِ من يشهد غيرَه ولا يشهده.
وليس الشّأن في هذا الشُّهود، فإنّ صاحبه في مقام الفناء، فإن لم ينتقل منه إلى مقام البقاء وإلّا انقطع انقطاعًا كلِّيًّا. ففي هذا المقام إن لم يطمئنّ إلى حصول البقاء وإلّا عطَّل الأمرَ، وخلعَ رِبقةَ العبوديّة من عنقه. فإذا اطمأنّ إلى البقاء طمأنينةَ من يعلم أنّه لا بدَّ له منه وإن لم يصحبه، وإلّا فسدَ وهلك= كان هذا من طمأنينة الجمع إلى البقاء.
فصل
وأمّا طمأنينة المقام إلى نور الأزل، فيريد به: طمأنينة مقامه إلى السّابقة التي سبق بها في الأزل، فلا تتغيّر ولا تتبدّل، ولهذا قال: «طمأنينة المقام»، ولم يقل: «طمأنينة الحال». فإنّ الحال يزول ويحول، ولو لم يَحُلْ لما سمِّي حالًا، بخلاف المقام.
فإذا اطمأنّ إلى السّابقة والحسنى التي سَبقتْ له من الله في الأزل، كان هذا طمأنينة المقام إلى الأزل، وهذا هو شهود أهل البقاء بعد الفناء.
✽ ✽ ✽
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الهمّة.
وقد صدّرها صاحب «المنازل» بقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾[النجم: ١٧]. وقد تقدّم١ أنّه صدّر بها باب الأدب، وذكرنا وجهه. وأمّا وجه تصدير «الهمّة» بها فهو الإشارة إلى أنّ همّتَه ما تعلَّقتْ بسوى مشهودِه وما أُقيم فيه، ولو تجاوزتْه همّتُه لَتبِعَها بصرُه.
والهمّة فِعْلةٌ من الهمِّ، وهو مبدأ الإرادة، ولكن خَصُّوها بنهاية الإرادة. فالهَمُّ مبدؤها، والهِمّة نهايتها.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: في بعض الآثار الإلهيّة: «إنِّي لا أنظر إلى كلام الحكيم، وإنّما أنظر إلى هِمّته»٢.
قال٣: والعامّة تقول: قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسِن. والخاصّة تقول: قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يَطلُب. يريد: أنّ قيمة المرء همّته ومطلبه.
(١) (٣/ ١٥٠).
(٢) عزاه شيخ الإسلام إلى بعض الكتب المتقدمة في «الجواب الصحيح» (٦/ ٣٥)، وإلى الإسرائيليات في «النبوات» (١/ ٤١٠)، و«جامع المسائل» (٥/ ٢٦٥).
(٣) في المصادر السابقة. و«قيمة كل امرئ ما يحسن» يُنسب إلى علي ﵁ في «البيان والتبيين» (١/ ٨٣) و«ديوان المعاني» (١/ ١٤٦) و«البصائر والذخائر» (٨/ ١٠) و«زهر الآداب» (١/ ٢٥٣) وغيرها. قال شيخ الإسلام في «درء التعارض» (٩/ ٤١٠): ولا يصح هذا عن علي.