مدارج السالكين

قال صاحب «المنازل» ﵀١: (الهمّة: ما يملك الانبعاثَ للمقصود صرفًا، لا يتمالك صاحبها، ولا يلتفت عنها).

قوله: (يملك الانبعاث للمقصود)، أي يستولي عليه كاستيلاء المالك على المملوك٢.

و«صِرْفًا» أي خالصًا صرفًا. والمراد أنّ همّة العبد إذا تعلَّقت بالحقِّ تعالى طلبًا خالصًا صادقًا محضًا، فتلك هي الهمّة العالية التي لا يتمالك صاحبها، أي لا يقدر على المهلة٣، ولا يتمالك صبره، لغلبة سلطان الهمة عليه، وشدّةِ إلزامها إيّاه بطلب المقصود، ولا يلتفت عنها إلى ما سوى أحكامها. وصاحبُ هذه الهمّة سريعٌ وصوله وظفَرُه بمطلوبه، ما لم تَعُقْه العوائق، وتقطَعْه العلائق.

فصل

قال٤: (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: همّةٌ تصونُ القلبَ عن وحشة الرّغبة في الفاني، وتَحمِله على الرّغبة في الباقي، وتُصفِّيه من كَدَر التّواني).

الفاني: الدُّنيا وما عليها، أي تُزهِّد القلبَ فيها وفي أهلها. وسمّى الرّغبة فيها وحشةً، لأنّها وأهلها تُوحِش قلوبَ الرّاغبين فيها، وقلوبَ الزّاهدين فيها.

  1. (١) (ص ٦٩).
  2. (٢) «على المملوك» ليست في ش، د.
  3. (٣) كذا في ش، د. وغُيِّر في ل إلى «الملكة».
  4. (٤) «المنازل» (ص ٦٩).
361

أمّا الرّاغبون فيها: فأرواحهم وقلوبهم في وحشةٍ من أجسامهم، إذ فاتها ما خُلِقتْ له، فهي في وحشةٍ لفَواتِه.

وأمّا الزّاهدون فيها: فإنّهم يرونها مُوحِشةً لهم، لأنّها تَحُول بينهم وبين مطلوبهم ومحبوبهم، ولا شيءَ أوحشُ عند القلب ممّا يحول بينه وبين مطلوبه ومحبوبه. ولذلك كان مَن نازع النّاسَ أموالَهم وطلبها منهم أوحشَ شيءٍ إليهم وأبغضَه.

وأيضًا، فالزّاهدون فيها إنّما ينظرون إليها بالبصائر، والرّاغبون بالأبصار، فيستوحش الزّاهد ممّا يأنس به الرّاغب، كما قيل:

وإذا أفاقَ القلبُ واندملَ الهوىرأتِ القلوبُ ولم ترَ الأبصارُ١

وكذلك هذه الهمّة تحمله على الرّغبة في الباقي لذاته ــ وهو الحقُّ سبحانه ــ والباقي بإبقائه، وهو الدّار الآخرة.

(وتُصفِّيه من كَدَر التَّواني)، أي تُخلِّصه وتُمحِّصه من أوساخ الفتور والتّواني، الذي هو سبب الإضاعة والتّفريط.

فصل

قال٢: (الدّرجة الثّانية: همّةٌ تُورِث أنفةً من المبالاة بالعِلل، والنُّزولِ على العمل، والثِّقةِ بالأَمل).

  1. (١) البيت مع آخر لأبي نصر بن نباتة في «ديوانه» (٢/ ٢٧١) و«ذم الهوى» (ص ٦٥٣) بقافية «الأحداقُ» بدل «الأبصار».
  2. (٢) «المنازل» (ص ٧٠).
362

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي