مدارج السالكين

العِلل هاهنا هي عِلل الأعمال من رؤيتها، أو رؤية ثمراتها وإرادتها١، أو نحو ذلك، فإنّها عندهم عللٌ.

فصاحب هذه الهمّة يأْنَفُ على همّته وقلبِه من أن يبالي بالعلل، فإنّ همّته فوق ذلك. فمبالاتُه بها وفكرتُه فيها نزولٌ من الهمّة.

وعدمُ هذه المبالاة: إمّا لأنّ العلل لم تحصُلْ له؛ لأنّ علوّ همّته حالَ بينه وبينها، فلا يبالي بما لم يحصل له. وإمّا لأنّ همّتَه وسعةَ مطلبِه وعلوَّه تأتي على تلك العلل وتَستأصلها، فإنّه إذا علَّق همّتَه بما هو أعلى منها تضمّنَتْها الهمّة العالية، فاندرج حكمها في حكم الهمّة العالية. وهذا موضعٌ غريبٌ عزيزٌ جدًّا، وما أدري قصَدَه الشّيخُ أو لا؟

وأمّا أَنَفَتُه من النُّزول على العمل: فكلامٌ يحتاج إلى تقييدٍ وتبيينٍ، وهو أنّ العاليَ الهمّةِ مطلبه فوقَ مطلب العمّال والعبّاد وأعلى منه، فهو يأنف أن ينزل من سماء مطلبه العالية، إلى مجرّد العمل والعبادة، دون السّفر بالقلب إلى الله، ليحصل له ويفوز به، فإنّه طالبٌ لربِّه تعالى طلبًا تامًّا بكلِّ معنًى واعتبارٍ: في عمله، وعبادته ومناجاته، ونومه ويقظته، وحركته وسكونه، وعُزلته وخُلطته، وسائرِ أحواله. فقد انصبغ قلبه بالتّوجُّه إلى الله تعالى أيَّما صِبغةٍ. وهذا الأمر إنّما يكون لأهل المحبّة الصّادقة، فهم لا يَقْنَعون بمجرّد رسوم الأعمال، ولا بالاقتصار على الطّلب حالَ العمل فقط.

وأمّا أنفتُه من الثِّقة بالأمل: فإنّ الثِّقة توجب الفتورَ والتّواني، وصاحب هذه الهمّة ليس من أهل ذاك، كيف وهو طائرٌ لا سائرٌ.

  1. (١) ش، د: «إراداتها».
363

فصل

قال١: (الدّرجة الثّالثة: همّةٌ تتصاعد عن الأحوال والمعاملات، وتُزرِي بالأعواض والدّرجات، وتَنحو عن النُّعوت نحو الذّات).

أي هذه الهمّة أعلى من أن يتعلَّق صاحبها بالأحوال التي هي آثار الأعمال والواردات، أو يتعلّق بالمعاملات. وليس المراد تعطيلَها، بل القيام بها مع عدم الالتفات إليها والتّعلُّق بها.

ووجهُ صعود هذه الهمّة عن هذا ما ذكره من قوله: (تُزْرِي بالأعواض والدّرجات، وتنحو عن٢ النُّعوت إلى الذّات)، أي صاحبها لا يقف عند عوضٍ ولا درجةٍ، فإنّ ذلك نزولٌ من همّتِه، ومطلبُه أعلى من ذلك. فإنّ صاحب هذه الهمّة قد قصر٣ همّته على المطلب الأعلى، الذي لا شيء أعلى منه، والأعواض والدّرجات دونه، وهو يعلم أنّه إذا حصل له فهناك كلُّ عوضٍ ودرجةٍ عاليةٍ.

وأمّا نَحْوُها نحوَ الذّات، فيريد به: أنّ صاحبها لا يقتصر على شهود الأفعال ولا الأسماء والصِّفات، بل الذّات الجامعة لمتفرِّقات الأسماء والصِّفات والأفعال، كما تقدّم. والله أعلم.

  1. (١) «المنازل» (ص ٧٠).
  2. (٢) ل: «من».
  3. (٣) ل: «قصرت».
364

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي