قال١: (الدّرجة الثّالثة: همّةٌ تتصاعد عن الأحوال والمعاملات، وتُزرِي بالأعواض والدّرجات، وتَنحو عن النُّعوت نحو الذّات).
أي هذه الهمّة أعلى من أن يتعلَّق صاحبها بالأحوال التي هي آثار الأعمال والواردات، أو يتعلّق بالمعاملات. وليس المراد تعطيلَها، بل القيام بها مع عدم الالتفات إليها والتّعلُّق بها.
ووجهُ صعود هذه الهمّة عن هذا ما ذكره من قوله: (تُزْرِي بالأعواض والدّرجات، وتنحو عن٢ النُّعوت إلى الذّات)، أي صاحبها لا يقف عند عوضٍ ولا درجةٍ، فإنّ ذلك نزولٌ من همّتِه، ومطلبُه أعلى من ذلك. فإنّ صاحب هذه الهمّة قد قصر٣ همّته على المطلب الأعلى، الذي لا شيء أعلى منه، والأعواض والدّرجات دونه، وهو يعلم أنّه إذا حصل له فهناك كلُّ عوضٍ ودرجةٍ عاليةٍ.
وأمّا نَحْوُها نحوَ الذّات، فيريد به: أنّ صاحبها لا يقتصر على شهود الأفعال ولا الأسماء والصِّفات، بل الذّات الجامعة لمتفرِّقات الأسماء والصِّفات والأفعال، كما تقدّم. والله أعلم.
✽ ✽ ✽
(١) «المنازل» (ص ٧٠).
(٢) ل: «من».
(٣) ل: «قصرت».
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة المحبّة.
وهي المنزلة التي فيها يتنافَسُ١ المتنافسون، وإليها شَخَصَ العاملون، وإلى علمها شَمَّر السّابقون، وعليها تفانى المُحِبُّون، وبرَوْحِ نَسيمها تروَّح العابدون. فهي قُوتُ القلوب، وغذاء الأرواح، وقرّة العيون. وهي الحياة التي من حُرِمَها فهو من جملة الأموات، والنُّور الذي من فَقَدَه ففي بحار الظُّلمات، والشِّفاء الذي من عَدِمَه حلَّتْ بقلبه جميعُ الأسقام، واللّذّة التي من لم يظفر بها فعيشُه كلُّه همومٌ وآلامٌ.
وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال، التي متى خلَتْ منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تَحمِلُ أثقالَ السّائرين إلى بلادٍ لم يكونوا إلّا بشِقِّ الأنفس بَالِغِيها، وتُوصِلهم إلى منازلَ لم يكونوا بدونها أبدًا واصلِيها، وتُبوِّئهم من مقاعد الصِّدق مقاماتٍ لم يكونوا لولا هي داخلِيها. وهي مطايا القوم التي مَسْراهم في ظهورها دائمًا إلى الحبيب، وطريقُهم الأقوم الذي يُبلِّغهم إلى منازلهم الأولى من قريبٍ.
تالله لقد ذهب أهلُها بشرف الدُّنيا والآخرة، إذ لهم من معيّة٢ محبوبهم أوفرُ نصيبٍ. وقد قضى الله٣ ــ يوم قدَّر مقاديرَ الخلائق بمشيئته وحكمته